الشيخ عبد الغني النابلسي

243

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

هذه الأمّة المحمّديّة لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفا لها . فأثنى اللّه عليه - أعني على أيّوب - بالصّبر مع دعائه في رفع الضّرّ عنه . فعلمنا أنّ العبد إذا دعا اللّه في كشف الضّرّ عنه لا يقدح في صبره . وأنّه صابر وأنّه نعم العبد كما قال تعالى : إِنَّهُ أَوَّابٌ أي رجّاع إلى اللّه لا إلى الأسباب ، والحقّ يفعل عند ذلك بالسبب لأنّ العبد يستند إليه ، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبّب واحد العين . وقد علمت يا أيها السالك من غير هذا المحل أن البعد والقرب أمران إضافيان لا يعقلان إلا من شيئين باعتبار الزمان كما يقال مصنف هذا الكتاب قدس اللّه سره أقرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منا ، أي من زمانه أقرب إلى زمان النبوة من زماننا أو باعتبار المكان كما يقال : داري أقرب إلى الجامع من دارك فهما ، أي القرب والبعد نسبتان ، أي أمران منتزعان من النظر في حقيقتين باعتبار زمان أو مكان لا وجود لهما ، أي لتلك النسبتين في العين ، أي في عين كل واحدة منهما مع ثبوت ، أي تحقق أحكامهما ، أي القرب والبعد في الشيء البعيد عن الشيء الآخر البعيد عنه والشيء القريب إلى الشيء الآخر القريب إليه . واعلم يا أيها السالك أن سر اللّه تعالى في أيوب عليه السلام الذي جعله اللّه تعالى عبرة لنا نعتبر به في أحوالنا مع اللّه تعالى وجعله كتابا مستورا ، أي آيات قرآنية نزلت في حق أيوب عليه السلام حاكيا « 1 » ذلك الكتاب ما كان في الزمان الأوّل ، فنزل جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم فتلاه علينا بلسان عربي مبين تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه من الأسرار والعلوم فتلحق ، أي هذه الأمة بصاحبه ، أي صاحب هذا الكتاب المسطور بطريق الإرث النبوي تشريفا لها وتعظيما لشأنها فأثنى اللّه تعالى عليه ، أي مدحه في القرآن العظيم أعني على أيوب عليه السلام بالصبر حيث قال تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] مع دعائه ، أي أيوب عليه السلام في رفع ، أي إزالة الضر ، أي البلاء عنه . قال تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) [ ص : 41 ] ، وقال تعالى : * وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ

--> ( 1 ) وفي نسخة : [ حاليا ] بدل [ حاكيا ] .