الشيخ عبد الغني النابلسي
227
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] ، وقال : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] ، وكل هذا الاعتبار سائغ ، أي ممكن القول به في الحقائق الإلهية الظاهرة والإشارة إليه واردة في الشرع عند أهلها . ولو أن الإنسان الميت ، أو الإنسان المقتول الغافل إذ صاحب اليقظة راجع إلى اللّه تعالى في حياته أي ميت كان وأي مقتول كان صغيرا أو كبيرا مؤمنا أو كافرا وغير الإنسان كذلك لكن لا يتعلق به حكم هنا إذا مات أو قتل ، أي ذلك الإنسان لا يرجع من شهود نفسه وغفلته إلى شهود اللّه تعالى ويقظته وصاحب اليقظة تزداد يقظته بذلك قال تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] الآية . وقال تعالى : يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [ النور : 37 ] ، وهو يوم الموت تتقلب فيه القلوب من الغفلة إلى اليقظة . وفي الحديث : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » « 1 » ، وقال عليه السلام : « إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » « 2 » . وقال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ الروم : 23 ] ، أي غفلتكم في الحياة الدنيا إلى الموت . لم يقض اللّه تعالى أي لم يحكم من الأزل بموت أحد من الناس أصلا ولا شرع سبحانه قتله في مهدر الدم بردّة أو حرب أو قصاص أو زنا محصن أو تعزير بليغ ونحو ذلك . فالكل ، أي الأحياء والأموات في تصريف قبضته سبحانه كما قال تعالى : وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] . وقال سبحانه : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) [ البروج : 20 ] ، وقال : واللّه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ فصلت : 54 ] ، فلا فقدان لأحد في حقه تعالى بل الكل حاضرون عنده تعالى . فشرع القتل فيمن يستوجبه وحكم بالموت على كل حي لا ليدخلوا في قبضته ويحضروا عنده بل لعلمه سبحانه بأن عبده لا يفوته وإن غفل عنه وظن أنه يفر منه في الدنيا دون الآخرة . وقال تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) كَلَّا لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) [ القيامة : 10 - 12 ] ، فهو ، أي عبده راجع إليه
--> ( 1 ) رواه البيهقي في كتاب الزهد الكبير من كلام سهل بن عبد اللّه التستري ونصه : « الناس نيام فإذا انتبهوا ندموا وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم » حديث رقم ( 515 ) [ 2 / 207 ] ورواه بلفظه أبو نعيم في الحلية من كلام سفيان الثوري [ 7 / 52 ] . ( 2 ) رواه النسائي في السنن الكبرى ، المعافاة والعقوبة ، حديث رقم ( 7764 ) [ 4 / 419 ] ورواه الطبراني في مسند الشاميين ، حديث رقم ( 1157 ) [ 2 / 185 ] ورواه غيرهما .