الشيخ عبد الغني النابلسي
226
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ونحو ذلك ، وإما في آنات كثيرة كالحبة حشيشة ثم حبة ثم طحينا ثم رغيفا ثم كيموسا ثم دما ثم منيا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صورة إنسانية ثم جنينا ثم مولودا ثم طفلا ثم غلاما ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم ميتا ثم جيفة ثم ترابا هكذا هو التجلي الإلهي في عيون الناظرين . * * * فإن شئت قلت إنّ اللّه تجلّى مثل هذا الأمر ، وإن شئت قلت إنّ العالم في النّظر إليه وفيه مثل الحقّ في التّجلّي . فيتنوّع في عين النّاظر بحسب مزاج النّاظر أو يتنوّع مزاج النّاظر لتنوّع التّجلّي وكلّ هذا سائغ في الحقائق . فلو أنّ الميّت - والمقتول - أيّ ميّت كان ، أو أيّ ، مقتول كان - إذا مات أو قتل لا يرجع إلى اللّه ، لم يقض اللّه بموت أحد ولا شرّع قتله . فالكلّ في قبضته فلا فقدان في حقّه . فشرع القتل وحكم بالموت لعلمه بأنّ عبده لا يفوته : فهو راجع إليه . على أنّ قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي فيه يقع التّصرّف ، وهو المتصرّف ، فما خرج عنه شيء لم يكن عينه ، بل هويّته هو عين ذلك الشّيء . وهو الّذي يعطيه الكشف في قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] . ( والتّوفيق من اللّه تعالى ) . فإن شئت يا أيها السالك قلت إن اللّه سبحانه تجلى ، أي انكشف مثل هذا الأمر ، أي الشأن المذكور كما قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، وإن شئت قلت : إن العالم بفتح اللام في النظر إليه ، أي إلى نفسه وفيه ، أي في نفسه مثل الحق تعالى في التجلي المتنوّع المذكور فيتنوّع ، أي العالم في عين الناظرين إليه لا في نفسه بحسب مزاج الناظرين إليه وقوّة استعدادهم في إدراكه فيدركونه في وقت هكذا وفي وقت آخر هكذا بمقتضى ما هم فيه من المزاج ، كالأحول يرى الواحد اثنين ، وكالصفراوي يرى العسل مرا ونحو ذلك لسبب فيه لا في المرئي ، والمرئي على ما هو عليه لم يتغير أو بتنوّع مزاج الناظرين إلى العالم لتنوّع التجلي الإلهي المفيض عليهم ذلك ، ثم يتنوّع العالم في أعينهم بحسب تنوّع مزاجهم . قال تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا