الشيخ عبد الغني النابلسي

223

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وأمّا أهل النّار فمآلهم إلى النّعيم ، ولكن في النّار إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها ، وهذا نعيمهم . فنعيم أهل النّار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللّه حين ألقي في النّار فإنّه عليه السّلام تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرّر من أنّها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان وما علم مراد اللّه فيها ومنها في حقّه . فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصّورة اللّونيّة في حقّه وهي نار في عيون النّاس . فالشّيء الواحد يتنوّع في عيون النّاظرين : هكذا هو التّجلّي الإلهيّ . وأما أهل النار الذين هم أهلها وهم الكافرون على اختلاف أنواعهم بعد إخراج العصاة فيها فمآلهم ، أي مرجعهم في آخر أمر العذاب المستولي عليهم من تجلي اسم اللّه تعالى المنتقم والضار والخافض والمانع ونحو ذلك من أسماء الجلال إلى النعيم المؤبد بظهور تجلي اسم اللّه تعالى اللطيف النافع الرافع المعطي ونحو ذلك من أسماء الجمال ولكن ذلك النعيم لهم في النار ، أي في طبقاتها التي هم فيها فلا يخرجون منها إلى غيرها أصلا كما قال تعالى : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [ الحجر : 48 ] ، ولا يحتاج إلى إخراجهم إذا أراد اللّه تعالى نعيمهم ، فإنه على كل شيء قدير إذا أراد خلق النعيم للمعذب بعين ما هو به معذب وخلق العذاب للمنعم بعين ما هو به منعم ، وذلك أمر ذوقي لا ظهور له عند الغير ، ولهذا لم يرد التصريح بهذه المسألة في الشرع إلا بطريق الإشارة الخفية ، لأنها من علوم الأذواق لا علوم الأفكار والعقول ، فإن تلك الأسماء الجلالية تتحوّل عين الأسماء الجمالية ، لأن كل اسم منها عين الاسم الآخر بالنسبة إلى الحق تعالى ، وإن امتاز بالأثر المظهر له ، فإن اللّه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه كما تقرر في علم الكلام . إذ ، أي لأنه لا بد لصورة النار فإنها مجرد صورة في الأمر الإلهي قائمة به كقيام الموج بالماء ، وهكذا كل شيء في الدنيا والآخرة لأنهما مخلوقتان والخلق صورة الأمر والأمر حقيقة الخلق وسرهم . قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] ، بعد انتهاء ، أي انقضاء مدة العقاب التي قدرها اللّه تعالى وقضى بها في علمه الأزلي أن تكون ، أي صورة النار في الآخرة بردا لا حرارة فيها ، لأن الحرارة منهم هي ما في طبيعتهم الغريزية بسبب جهلهم باللّه تعالى الموجود دونهم ، فإذا ختم اللّه وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة قويت تلك