الشيخ عبد الغني النابلسي
224
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الحرارة فيهم ، وحيث ماتوا على ذلك حشروا عليه ودخلوا به حبس الآخرة المسمى بجهنم ، فجاؤوا بنيرانهم إليه كما ورد : « قوموا لنيرانكم فأطفؤوها » « 1 » فكان سر ذلك كله جهلهم بالمتجلي الحق عليهم وهم لا يشعرون لكفرهم ، وتغطيتهم له بما يدعون من مقتضيات الكفر ، فإذا غلب نور التجلي على نار الاستتار أطفؤوها وحالهم على ما هو من غير تغيير ظاهرا فصارت نارهم بردا وسلاما ، أي أمانا من العذاب بها على من فيها ، أي النار وهذا الحال المذكور هو نعيمهم ، أي نعيم أهل النار في النار من غير أن يخرجوا منها . فنعيم أهل النار كما ذكر بعد استيفاء عقابهم على ترك الحقوق الواجبة عليهم للّه تعالى من الإيمان وغيره ، فإن للعقاب مدة معلومة عند اللّه تعالى كما قال تعالى : لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) [ النبأ : 23 ] ، ولا ينافيه قوله سبحانه : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] ، وقوله تعالى : لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ [ البقرة : 162 ] ، أي من عذابها ، فإنهم كما يذوقونه ألما ووجعا يذوقونه أيضا لذة وعذوبة ، وعينه لا تتغير . أرأيت أن المحب العاشق إذا رأى في ظلمة أحدا من الناس يضربه فإنه يتألم ويتوجع بذلك الضرب ، فإذا تبين له وتحقق أن محبوبه ومعشوقه الهاجر له المعرض عنه هو الذي يضربه فإنه لا شك أن ذلك الألم والوجع الذي كان يجده من الغير ينقلب لذة وعذوبة عنده من غير أن يخفف منه شيء ، وذلك بمجرد انكشاف محبوبه له وتحققه به ، ولا يعرف هذا ويصدق به إلا من عشق وذاق أحوال العشاق كنعيم إبراهيم خليل اللّه تعالى عليه السلام حين ألقاه عدوّه النمرود في النار ، فصارت عليه بردا وسلاما مع أنها في نفسها على ما هي عليه نار لم تتغير ، فلو دخلها النمرود أو غيره لاحترق بها ، وما منع إبراهيم عليه السلام من الاحتراق بها إلا كونه متحققا في نفسه بربها الحق تعالى التي هي صورة تجليه بها ، وانتفت عنه خواطر الأغيار وانكشفت لوامع الأسرار حين ألقي في النار ؛ ولهذا لما جاء جبريل عليه السلام فقال له : « ألك حاجة ، قال : أما إليك فلا وأما إلى اللّه فبلى . فقال له : سل اللّه ، فقال : علمه بحالي يغني عن سؤالي » « 2 »
--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدى من مصادر ومراجع . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حرف الحاء المهملة ، برقم ( 1136 ) وقال ذكره البعوي في تفسير سورة الأنبياء بلفظ وروي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار : لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار فاستقبله جبريل فقال : يا إبراهيم : ألك حاجة قال : أما إليك فلا قال جبريل : فسل ربك فقال إبراهيم : حسبي من سؤالي علمه بحالي » .