الشيخ عبد الغني النابلسي
211
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( 18 - فص حكمة نفسية في كلمة يونسية ) هذا فص الحكمة اليونسية ، ذكره بعد حكمة داود عليه السلام لأنه تهذيب فيها وتكميل لها وبيان لاحترام النوع الإنساني مطلقا بقدر الإمكان ، اعتبارا للخلافة العامة الثابتة لكل مكلف فيما يملك من الحقوق ، وإن جار فيها وظلم وتجاوز الحد ، فإنه مسؤول عن ذلك بعد عزله بالموت . قال تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] . وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [ الأنعام : 165 ] ، وقال تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ [ الأنعام : 133 ] . وقال تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [ الأعراف : 69 ] وقال تعالى : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ [ الأعراف : 74 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع بني آدم خلفاء في الأرض ، لكن ليست الخلافة الكاملة في الظاهر كخلافة الملوك أو في الظاهر والباطن كخلافة الأنبياء عليهم السلام وورثتهم من الأولياء . فص حكمة نفسية ، أي منسوبة إلى النفس الإنسانية في كلمة يونسية ، إنما اختصت حكمة يونس عليه السلام بكونها نفسية ، لأن الكلام فيها على النفس الإنسانية ولزوم احترامها وخلاصها من ظلمة المعصية على حسب الإمكان كما تخلصت نفس يونس عليه السلام من نفس الحوت الذي ابتلعته ونجاه اللّه تعالى من الظلم الثلاثة ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت . * * * اعلم أنّ هذه النّشأة الإنسانيّة بكمالها روحا وجسما ونفسا خلقها اللّه على صورته ، فلا يتولّى حلّ نظامها إلّا من خلقها ، إمّا بيده - وليس إلّا ذلك - أو بأمره . ومن تولّاها بغير أمر اللّه فقد ظلم نفسه وتعدّى حدّ اللّه فيها وسعى في خراب ما أمره اللّه بعمارته . اعلم يا أيها السالك أن النشأة ، أي الخلقة الإنسانية الآدمية بكمالها ظاهرا وباطنا روحا ، أي من جهة الروح وجسما ، أي من جهة الجسم ونفسا ،