الشيخ عبد الغني النابلسي

212

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

أي من جهة النفس وكذلك من جهة العقل خلقها ، أي تلك النشأة اللّه تعالى على صورته كما ورد في الحديث : « أن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » . وفي رواية : « على صورة الرحمن » « 2 » وصورة الشيء مجموع صفاته ومدلولات أسمائه إذا سألت أحدا عن صورة شيء وأردت منه بيانها إذا كانت غائبة عنك لتعرفها ، فإنه يأتي لك بصفات ذلك الشيء ومدلولات أسمائه ، فيقول لك مثلا ، الورد أحمر طيب الرائحة مستدير الورق في وسطه صفرة أخضر الساق مشوكه ونحو ذلك ، فالذي ذكره لك صورته ، وأنت تعلم أن الورد جسم مخلوق ، فتتخيل معنى الصفات التي ذكرها لك على حسب فهمك ، فتصير عارفا بالورد وصورة كل شيء عندك من محسوس ومعقول مناسبة لذلك الشيء ، وإذا سألت أحدا عن صورة أمر معقول كمسألة ونحوها فإنه يأتيك بصفاتها أيضا ، فتفهمها وتتخيلها على حسب قوتك العقلية ، فتكون عارفا بتلك المسألة ، وكذلك إذا أردت أن تعرف صورة ما ليس بمحسوس ولا معقول ولا جسم ولا عرض ، فإنه يوصف لك بصفاته ، فإذا فهمتها على حسب ما هو عندك من أنه ليس بمحسوس ولا معقول ولا جسم ولا عرض ، فقد عرفت ذلك الشيء وميزته عن غيره ، وأما إذا فهمتها على غير ما هو عنك لذلك الشيء بأن فهمتها على حد ما هي منسوبة إلى غير ذلك الشيء من المحسوسات أو المعقولات أو الأجسام أو الأعرض ، فقد أدركت ذلك الفهم إلى الضلالة في ذلك الشيء وإلى تناقضك فيه ، من أنك تعرف أنه ليس بمحسوس ولا معقول ولا جسم ولا عرض ، ومع ذلك تفهم أوصافه أنها مثل أوصاف المحسوس أو المعقول أو الجسم أو العرض ، فيكون عندك في نفسك من تلك الصفات المذكورة لك صورة تخالف صورة ذلك الشيء التي أرادها الواصف لك وهو الجهل الفاحش والخبث القبيح ، فاعرف صورة اللّه تعالى الواردة في الحديث التي هي مجموع صفاته سبحانه ومدلولات أسمائه ، فإن الشرع شرع لك ذلك وبسط الكلام فيه في الكتاب والسنة ، وأنت تعلم عقلا أن الخالق لا يساوي المخلوق ولا من وجه أصلا ، إذ لو ساواه من وجه ، لجاز في حقه ما جاز في حق ذلك المخلوق من ذلك الوجه ، الجائز في حق المخلوق الفناء والزوال من كل وجه ، والخالق تعالى لا يجوز في حقه ذلك وإلا لكان مخلوقا مثله والمخلوق عاجز ، والعاجز ليس بخالق ، فأضيف إلى هذا التنزيه العقلي التشبيه الشرعي ، وخالف الفلاسفة ومن تبعهم في

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .