الشيخ عبد الغني النابلسي
201
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الجماعة فقال لي : أو تفعل ذلك ؟ قلت له : أي واللّه ، قال : وتعلم أن ذلك معصية شرعا ؟ قلت له : نعم ، قال : وكيف تفعله وأنت تعلم أنه معصية شرعا ؟ عن كره أو عن طيب نفس ؟ قلت له : عن طيب نفس قال : وبم ذلك ؟ قلت له : لأنا ما أخذنا الشرع عن الشارع وإنما أخذناه بالنقل عنه كما قال أبو يزيد : أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . وكلامك عندي هو الشرع المقرب إلى اللّه ، فإنك عندي ممن ينطق عن اللّه لا عن هوى نفسه ، والأخذ عنك أثبت وأصح من أخذي من أقوال علماء الشريعة . فقال : بارك اللّه فيك اجلس لا تفعل ذلك ، فإني ما أردت ذلك إلا أري الجماعة صدقك في الخدمة وقيامك بالحرمة ، وقد ظهر والحمد للّه . يا بني إن ذلك الذي أمرتك به معصية عندي ، وما كنت لأتركك تفعل ذلك ، وإنما ابتليتك حتى نعلم كما قال اللّه تعالى في محكم كتابه مع علمه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] . وكذلك ، أي مثل ما يقع من الخليفة اليوم يقع من عيسى عليه السلام ، فإنه أي عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يرفع كثيرا من شرع الاجتهاد المقرر عن المجتهدين ومقلديهم اليوم فيبين ، أي عيسى عليه السلام برفعه كما تقرر في شرع الاجتهاد صورة الحق المشروع الذي كان عليه نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ولا سيما ، أي خصوصا إذا تعارضت أحكام الأئمة المجتهدين في النازلة الواحدة فذهب كل إمام إلى قول فنعلم نحن الآن قطعا أنه ، أي الشأن لو نزل وحي من اللّه تعالى في تلك القضية الواحدة المختلف فيها لنزل ذلك الوحي بأحد الوجوه التي ذهب إليها أحد تلك الأئمة فذلك النازل هو الحكم الإلهي القديم وما عداه من بقية الأحكام وإن قرره الحق تعالى وقبل العمل بمقتضاه فهو شرع تقرير من الحق تعالى وعدم إنكاره لرفع أي إزالة الحرج ، أي الصعوبة والعسر عن هذه الأمة . قال تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ولأجل اتساع الحكم الإلهي فيها ، أي في هذه الأمة . قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ، وقال عليه السلام : « أتيتكم بالحنيفية السمحة السهلة » « 1 » . * * *
--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس بلفظ : « إني بعثت بالحنيفية السمحة » ، ورواه أحمد في المسند برقم ( 22345 ) [ 5 / 266 ] .