الشيخ عبد الغني النابلسي
175
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فإنه تعالى قال مصرحا بمعيته لنا وهو معكم أينما كنتم ، أي في أي حالة كنتم فيها وصورة تصورتم بها ونحن معه سبحانه بكونه تعالى آخذا بنواصينا ، أي قيوما علينا يتصرف بنا كيف شاء ، فمعيتنا له عين معيته لنا ، فهو قيوم علينا لا قيام لنا إلا به فهو معنا من هذا الوجه ونحن معه كذلك ، ولكنه من طرفه بالإرادة ومن طرفنا بالاضطرار فهو تعالى حينئذ مع نفسه سبحانه حيث ما مشى بنا ، أي تصرف فينا ظاهرا وباطنا بإظهارنا لنا ورؤيتنا بنا من صراطه المستقيم وهو عطاؤه الفضل ومنه العدل . وحكمه الفضل وظهور فرعه بما يقتضيه الأصل . فما أحد من العالم في الحس والعقل إلا على صراط مستقيم بحكم التبعية لمالك النواصي وقاهر الأعداء في الصياصي وهو ، أي الصراط المستقيم صراط الرب تعالى الذي يمشي به فينا ، أي يتصرف فيه بنا فيظهر بأوصافه وأسمائه ويبطن بذاته وهويته وهما قدم التجلي وقدم الاستتار ولذا ، أي لكون الأمر كذلك علمت بلقيس من سليمان عليه السلام ، أي صارت عالمة منه لإسلامها بحكم التبعية له ، كما أنّا مع الحق تعالى بحكم التبعية له ، وهو سبحانه على صراط مستقيم في جميع شؤونه ، فنحن كذلك على صراط مستقيم في جميع شؤوننا ، ولا يضر إلا الجهل بما الأمر عليه في نفسه ، ومنه ظهرت المعاصي والمخالفات . فقالت ، أي بلقيس : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فأطلقت إسلامها للّه في جميع حضراته سبحانه لإطلاق الربوبية في جميع العوالم وما خصصت عالما من عالم وهذا كله استفادته من حكم التبعية لسليمان عليه السلام في الإسلام من غير استقلال لها في ذلك ، لأنها لو استقلت دخلت تحت حكم عقلها وحسها ، فيلزم من ذلك التخصيص ، ويكون عقدها مخصوصا بصورة التجلي فتفتضح يوم التحوّل في الصور يوم القيامة ، فمعيتها لسليمان عليه السلام أنتجت لها حكم الإطلاق كما نقول ذلك في المقلدين في عقائدهم لما جاءت به الرسل ، ووردت به الكتب من غير تأويل ولا تشبيه إذا أسلموا لها كإيمان السلف الصالحين ، ومن هنا قيل : من لا شيخ له فشيخه الشيطان ، وورد في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من هذه الأمة « 1 » أن مع كل واحد منهم سبعين ألفا ، أي يؤمنون
--> ( 1 ) والحديث بجزئه الأول رواه البخاري في صحيحه ، باب من لم يرق ، حديث رقم ( 5420 ) [ 5 / 2170 ] وفي صحيح مسلم ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ، حديث رقم ( 220 ) [ 1 / 199 ] وورد عند غيرهما . روى الحديث ابن عبد البر في الاستيعاب ، حديث رقم ( 1940 ) [ 3 / 1195 ] ونصه : عن عمرو بن عمير ويقال عمرو الأنصاري قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : وجدت ربي ما جدا كريما أعطاني مع كل رجل من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير