الشيخ عبد الغني النابلسي

170

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فأعطيت هذه الأمّة المحمّديّة رتبة سليمان - عليه السّلام - في الحكم ، ورتبة داود - عليه السّلام - . فما أفضلها من أمّة . ولمّا رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدّة عندها قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ [ النمل : 42 ] وصدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال ، وهو هو ، وصدق الأمر ، كما أنّك في زمان التّجديد عين ما أنت في الزّمن الماضي . ثمّ إنّه كمال علم سليمان التّنبيه الّذي ذكره في الصّرح . قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ وكان صرحا أملس لا أمت فيه من زجاج . فلمّا رأته حسبته لجّة أي ماء وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها [ النمل : 44 ] . حتّى لا يصيب الماء ثوبها . فنبّهها بذلك على أن عرشها الّذي رأته من هذا القبيل وهذا غاية الإنصاف . فإنّه أعلمها بذلك إصابتها في قولها : كَأَنَّهُ هُوَ [ النمل : 42 ] . فقالت عند ذلك : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ أي إسلام سليمان لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] . فأعطيت ، أي أعطى اللّه تعالى علماء هذه الأمة المحمدية الحاملون لعلوم النقل منهم وهم المجتهدون رتبة سليمان عليه السلام في الحكم إن أصابوا ورتبة داود عليه السلام في العلم إن أخطأوا يعني ثواب ذلك وهو الأجران : على الصواب والأجر على الخطأ فما أفضلها من أمة حيث أدركت ثواب النبيين في ذلك ولما رأت بلقيس عرشها مستقرا عند سليمان عليه السلام مع علمها ، أي بلقيس ببعد المسافة بين بلادها وبيت المقدس وعلمها استحالة انتقاله ، أي العرش في تلك المدة القليلة التي فارقت عرشها فيها وهو في بلادها عندها ، أي النسبة إليها ، وقد علم بحالها ذلك سليمان عليه السلام لما قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41 ) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ [ النمل : 41 - 42 ] ، أي هذا العرش هُوَ ، أي عرشها وصدقت في قولها ذلك بما ، أي بسبب الذي ذكرناه من تجديد الخلق ، أي المخلوقات بالأمثال في كل لمحة ومع ذلك التجديد هو ، أي الخلق بحاله في عين الغافل المحجوب الذي لا شعور عنده بالتجديد المذكور ، فلم يلزم أن يكون غير الخلق الأول عند المكلفين بالأمر الشرعي حتى يقتضي كذب الأمر بتكليف ما لا يمكن بقاؤه ، أو غير ما كلف ولهذا قال : وصدق الأمر الشرعي المتوجه على المكلفين مع تجديدهم في كل لمحة