الشيخ عبد الغني النابلسي
171
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
كما أنك يا أيها المكلف في عالم كونك مخلوقا في زمان التجديد لك في عالم الأمر الإلهي الذي أنت وكل شيء قائم به عين ما أنت في الزمن الماضي فعالم رؤية المخلوقات كلها على ما هي عليه متصوّرة بالصورة المختلفة في الحس والعقل هو عالم الخلق وهو الذي فيه المخلوقات موصوفون بالصفات ، وفيه الأشياء موجودة ، وفيه التكليف بالأمر والنهي ، وهو عالم الشهادة وعالم الملك . قال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) [ الملك : 1 ] ، وعالم رؤية المخلوقات كلها ظاهرة من العدم راجعة إلى العدم كلمح بالبصر من غير استقرار شيء أصلا في الحس ، والعقل هو عالم الأمر الذي قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] ، وهو عالم الغيب وعالم الملكوت الذي قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] ، وقال تعالى : الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس : 83 ] ، وليس المخلوقات في هذا العالم موصوفين بالصفات أصلا إلا باعتبار العالم الأوّل ، وإنّما الأوصاف فيه كلها راجعة إلى الحق تعالى ، وفيه يكون الحق سمع العبد وبصره ولا يتصوّر تكليف ولا مكلف أصلا ، لأن الأشياء كلها فيه هالكة كما قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] و كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 26 - 27 ] ، ولا يبقى فيه العارف أكثر من لمح بالبصر في شهوده ، ويقع الغلط للسالك في هذا العالم كثيرا ، ويظن أنه ساقط التكليف في وقت شهوده طرفا من ذلك ، فيكفر بالجحود للقواطع الشرعية المتوجهة عليه وهو لا يشعر فتنطمس بصيرته عن الترقي ويحسبون أنهم مهتدون . ثم إنه ، أي الشأن من كمال علم سليمان عليه السلام التنبيه ، أي الإيقاظ والتفهيم لبلقيس الذي ذكره ، أي تذكره في الصرح الممرد من قوارير أي زجاج صاف فقيل لها ، أي بلقيس ادْخُلِي الصَّرْحَ ، وهو القصر وكل بناء عال وكان ، أي ذلك الصرح صرحا أملس ، أي ناعما صافيا لا أمت ، أي لا ارتفاع . قال تعالى : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) [ طه : 107 ] ، أي لا انخفاض ولا ارتفاع فيه ، أي في ذلك الصرح من زجاج أبيض ، وهو نظير عرشها اتخذه سليمان عليه السلام يشبه السرير على وجه الأرض فَلَمَّا رَأَتْهُ أبيض صافيا يتلألأ من بريقه ولمعانه في شعاع الشمس حَسِبَتْهُ لُجَّةً ، أي ماء يترقرق . فكشفت ، أي بلقيس عَنْ ساقَيْها حتى لا يصيب ذلك الماء ثوبها فنبهها ، أي سليمان عليه السلام بذلك ، أي بأمرها بدخول الصرح على أن عرشها الذي رأته مستقرا عنده من هذا القبيل ، أي ليس هو بعرشها في عالم الأمر