الشيخ عبد الغني النابلسي
167
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ [ ص : 30 ] . والهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق أو الاستحقاق . فهو النّعمة السّابغة والحجّة البالغة والضّربة الدّامغة . فإن مسألة حصول عرش بلقيس من سبأ في بيت المقدس قبل ارتداد الطرف من أشكل المسائل في الدين إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفا ، أي قريبا في قصّته العرش من أنه إعدام من مكان وإيجاد في مكان لا بطريق الانتقال ، لأنه من الخلق الجديد الواقع في كل شيء في مكان واحد أو في أماكن فلم يكن لآصف بن برخيا الذي جاءه بالعرش بدعوته من الفضل ، أي الفضيلة في ذلك الأمر إلا حصول التجديد للعرش في مجلس سليمان عليه السلام بمثل التجديد الذي كان له وهو في سبأ . فما قطع العرش بانتقاله مسافة أصلا ، ولا زويت ، أي طويت له أرض حتى حصل بسرعة ولا خرقها ، أي الأرض كما هو عند المحجوبين من علماء الرسوم لمن فهم ما ذكرناه من تجديد الخلق وكان ذلك الحصول للعرش بسرعة على يدي بعض أصحاب سليمان عليه السلام وهو آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام وابن خالته ، ولم يكن ذلك على يدي سليمان عليه السلام ليكون ذلك أعظم لسليمان عليه السلام في نفوس الحاضرين عنده من بلقيس بيان للحاضرين وأصحابها الذين جاؤوا معها . وسبب ذلك ، أي حصول هذا الأمر الخارق للعادة على يدي بعض أصحاب سليمان عليه السلام زيادة في تعظيمه في نفوس أعدائه كون سليمان عليه السلام موهبة ، أي عطية اللّه تعالى لداود أبيه عليهما السلام أخذا من قوله تعالى وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] ، والهبة إعطاء الواهب بطريق الإنعام على المعطى له لا بطريق الجزاء على العمل الوفاق ، أي الموافق لمقدار العمل أو بطريق الاستحقاق إذ لا يستحق أحد على اللّه تعالى شيئا فهو ، أي سليمان عليه السلام النعمة على أبيه داود عليه السلام السابغة ، أي الواسعة كما يقال : درع سابغ وثوب سابغ ، أي واسع على لابسه يستر بدنه كله والحجة ، أي الدليل والبرهان على أعداء الحق البالغة ، أي القوية المتينة والضربة في الكفر والباطل وأهله الدامغة ، أي الواصلة إلى الدماغ بحيث لا برء منها هذا من حيث حاله عليه السلام وهمته وشأنه في نفسه . * * *