الشيخ عبد الغني النابلسي

168

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وأمّا علمه فقوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ مع نقيض الحكم وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] . فكان علم داود علما مؤتى آتاه اللّه ، وعلم سليمان علم اللّه في المسألة إذ كان هو الحاكم بلا واسطة . فكان سليمان ترجمان حقّ في مقعد صدق . كما أنّ المجتهد المصيب لحكم اللّه الّذي يحكم به اللّه في المسألة أو تولّاها بنفسه أو بما يوحى به لرسوله له أجران ، والمخطيء لهذا الحكم له أجر مع كونه علما وحكما . وأما علمه ، أي سليمان عليه السلام فقوله ، أي اللّه تعالى فَفَهَّمْناها ، أي الحكومة في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم أي الزرع الذي أكلته غنم الغير سُلَيْمانَ عليه السلام ، فحكم أن صاحب الزرع يأكل من لبن الغنم حتى ينبت زرعه كما كان ، ثم يرد الغنم على أهله مع نقيض الحكم من أبيه داود عليه السلام وهو حكمه بالغنم ملكا لصاحب الزرع وَكُلًّا ، أي كل واحد منهما آتاه اللّه تعالى حُكْماً ، وهو سليمان عليه السلام وَعِلْماً وهو داود عليه السلام بقوله سبحانه : وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] فكان علم داود عليه السلام الذي آتاه اللّه تعالى له علما يؤتى ، أي يؤتيه اللّه تعالى لمن شاء وهو العلم الحادث وعلم سليمان عليه السلام هو علم اللّه تعالى القديم في هذه المسألة ، وهو العلم اللدني الذي قال اللّه تعالى في الخضر عليه السلام آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا [ الكهف : 65 ] وهو الوجود الذي قام به وكشف عنه وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] أي علما من عندنا ، وهو علم اللّه تعالى القائم بذلك الوجود المطلق عين الوجود المطلق ، فالخضر لموسى عليه السلام كسليمان لداود عليه السلام ، فالخضر على علم علمه اللّه تعالى لا يعلمه موسى عليه السلام ، وموسى عليه السلام على علم لا يعلمه الخضر عليه السلام كما ورد ذلك عن الخضر في الخبر الصحيح « 1 » ومع ذلك فما علم الخضر وعلم موسى عليهما السلام في علم اللّه تعالى إلا كما أخذ العصفور بفمه من ماء البحر كما قال الخضر ذلك لموسى عليه السلام كما ورد به الحديث الصحيح « 2 » ، لأن علم الخضر عليه السلام في كل مسألة عين علم اللّه تعالى بها ، وعلمه تعالى بمسألة عين علمه لكل مسألة إلى ما لا نهاية له ، ولكن لما قوبل بعلم موسى عليه السلام الذي آتاه اللّه تعالى له على حسب استعداده واستعداد المكلفين به ، انقسم ذلك ، فانتسب إلى المطلق بما أخذ العصفور من ماء البحر . وكذلك علم سليمان مع داود عليهما السلام .

--> ( 1 و 2 ) الذي سبق تخريجه .