الشيخ عبد الغني النابلسي
163
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأمّا فضل العالم من الصّنف الإنسانيّ على العالم من الجنّ بأسرار التّصريف وخواصّ الأشياء ، فمعلوم بالقدر الزّمانيّ : فإنّ رجوع الطّرف إلى النّاظر به أسرع من قيام القائم من مجلسه ؛ لأنّ حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من حركة الجسم فيما يتحرّك منه ، فإنّ الزّمان الّذي يتحرّك فيه البصر عين الزّمان الّذي يتعلّق بمبصره مع بعد المسافة بين النّاظر والمنظور فإنّ زمان فتح البصر زمان تعلّقه بفلك الكواكب الثّابتة وزمان رجوع طرفه إليه عين زمان عدم إدراكه . والقيام من مقام الإنسان ليس كذلك . أي ليس له هذه السّرعة . فكان آصف بن برخيا أتمّ في العمل من الجنّ ، فكان عين قول آصف بن برخيا عين الفعل في الزّمن الواحد . فرأى في ذلك الزّمان بعينه سليمان عليه السّلام عرش بلقيس مستقرّا عنده لئلا يتخيّل أنّه أدركه وهو في مكانه من غير انتقال . وأما فضل ، أي فضيلة الشخص العالم ، أي المتصف بالعلم والإدراك من الصنف ، أي النوع الإنساني ، أي المنسوب إلى الإنسان وهو الآدمي كوزير سليمان عليه السلام آصف بن برخيا الذي جاء بعرش بلقيس في طرفة عين من سبأ إلى بيت المقدس بدعوة دعا اللّه تعالى بها في ذلك على الشخص العالم ، أي المتصف بالعلم والإدراك من نوع الجن كالعفريت الذي قال لسليمان عليه السلام : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ [ النمل : 39 ] . وكان سليمان عليه السلام يجلس للحكومة إلى العصر بأسرار متعلق بالعالم الأوّل أو الثاني بطريق التنازع التعريف في عالم الشهادة وخواص الأشياء فالعفريت لا يعلم من القوة الإلهية التي قام بها كل شيء وقدر بها كل شيء إلا مقدار ما تعين منها في صورته وظهر بهويته ، فلهذا قال على مقتضى علمه وإدراكه وآصف بن برخيا رضي اللّه عنه علمها كلها فلم يتعين منها عنده في صورته ولا ظهر بهويته شيء بل أسلم لها إطلاقها ونظرها بها لا به وهي أمر واحد كلمح بالبصر ففعل بها ما فعل وقال ما قال . فمعلوم ، أي الفضل والمزية في ذلك بالقدر الزماني فانظر كم بين قول العفريت وقول آصف من التفاوت في بطء الزمان وسرعته فإن رجوع الطرف لحظ العين إلى الناظر به ، أي بالطرف من الناس في قول آصف رضي اللّه عنه قبل أن يرتد إليك طرفك أسرع من قيام القائم ، أي الذي يريد القيام من مجلسه الذي هو جالس فيه لأن حركة البصر في الإدراك ، أي الرؤية يعني وصوله إلى ما يدركه