الشيخ عبد الغني النابلسي

162

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ومن حكمة بلقيس ، أي فطنتها وذكائها وقابليتها للكمال وعلو ، أي ارتفاع علمها الذي كانت فيه قبل إسلامها بإلهام الحق تعالى لها وإجرائه على قلبها ولسانها من باب نطق الاستعداد لا أثر القوّة الكمالية الإنسانية كونها ، أي بلقيس لم تذكر لقومها من ألقى إليها الكتاب وهو الهدهد الذي كان رسول سليمان عليه السلام إليها ف قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 ) [ النمل : 29 ] وما عملت ، أي بلقيس ذلك ، أي تركت ذكر الهدهد الذي جاء إليها بالكتاب إلا لتعلم أصحابها ، أي قومها أن لها اتصالا ، أي معرفة واطلاعا إلى أمور خفية لا يعلمون طريقها ولا كيفية الوصول إليها وهذا الأمر من جملة التدبير الإلهي والتوفيق الرباني لها في سياسة الملك وبقاء السلطنة لها على قومها لأنه ، أي الشأن إذا جهل طريق الإخبار عن الأمور الواصل ذلك الإخبار للملك خاف أهل الدولة من العساكر والأجناد على أنفسهم في تصرفاتهم واستيلائهم على ما هو تحت أيديهم من الولايات مخافة أن ينكشف أمرهم من حيث لا يعرفون كيف انكشافه فلا يتصرفون إلا في أمر صحيح بحيث إذا وصل ذلك إلى سلطانهم عنهم وانكشف عنده يأمنون غائلة ذلك التصرف ولا يتأتى عليهم ضرر منه فلو تعين لهم ، أي لأهل الدولة على يدي من يوصل الأخبار عنهم وعن أحوالهم إلى ملكهم لصانعوه ، أي صنعوا إليه المعروف وأهدوا إليه الهدايا وأعظموا ، أي أكثروا له الرشا بالضم جمع رشوة وهو البرطيل « 1 » على سكوته وعدم إخباره عنهم حتى يفعلوا في تصرفاتهم ما يريدون من الأفعال ولا يصل خبر ذلك إلى ملكهم . فكان قولها ، أي بلقيس ألقى بالبناء للمجهول إليّ ، أي ألقى إليّ ملق ولم تسمّ من ألقاه سياسة منها لرعاياها وأرباب ولايتها أورثت ، أي تلك السياسة الحذر ، أي الخوف منها ، أي من بلقيس في أهل مملكتها من الرعية والأجناد وخواص مدبّريها من الوزراء وبهذا الأمر استحقت ، أي بلقيس التقديم عليهم بالملك والسلطنة مع أنها امرأة وهم رجال ، فاقتضت الحكمة الإلهية ملكها عليهم ودخولهم تحت حيطتها ونفوذ أمرها فيهم إن شاؤوا وإن أبوا وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 247 ] . * * *

--> « حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : « من يدعوني فأستجب له . من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له » . ( 1 ) ما يعطى كإكرامية غير مستحقة .