الشيخ عبد الغني النابلسي
161
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التّصرّف . فلو تعيّن لهم على يدي من تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه وأعطوا له الرّشا حتّى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم . فكان قولها : أُلْقِيَ إِلَيَّ [ النمل : 29 ] ولم تسمّ من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواصّ مدبّريها وبهذا استحقّت التّقدّم عليهم . ثم إنه ، أي الشأن كيف يقدم سليمان عليه السلام اسمه في كتابه إلى بلقيس على اسم اللّه تعالى كما زعموا ، أي علماء الرسوم الظاهرة والعقول القاصرة الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم غافلون عن الآخرة والحال هو ، أي سليمان عليه السلام من جملة من أوجدته الرحمة العامة ، لأنه شيء والرحمة وسعت كل شيء ، وكتبت له الرحمة الخاصة ، لأنه من الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فلا بد أن يتقدم ذكر اسمه على اسم اللّه الرحمن الرحيم ليصح استناد المرحوم إلى الراحم والأثر إلى المؤثر ، هذا الأمر عكس الحقائق ، لأنها تعطي تقديم الأصل على الفرع وهنا تقديم من يستحق التأخير وهو ذكر الصورة السليمانية التي هي مظهر عند الحس والعقل للحضرة الإلهية الرحمانية الرحيمية وتأخير من يستحق التقديم وهو ذكر الهوية الذاتية الموصوفة بالرحمة العامة والخاصة في الحضرة الاسمائية في الموضع ، أي المقام الذي يستحقه ، أي كل من يستحق التأخير ويستحق التقديم ، فإن خطاب سليمان عليه السلام لبلقيس الكافرة الجاهلة باللّه تعالى يقتضي تقديم صورته المظهرية التي بها يحضر الحق تعالى عند الغافل المحجوب عن شهود الغيب ، فإنه لا يعرف ذلك إلا بالآلة كالمعنى الذي لا يفهمه الجاهل الغبي بالإشارة ، فيقال له بنطق العبارة ثم يذكر له المقصود بعد ذلك ، فيتحقق الفرق بالجمع والجمع بالفرق ، فموضع الخطاب معها يقتضي عكس الحقائق المذكورة ، ولهذا لما أسلمت قدمت ما قدمه سليمان وأخرت ما أخره سليمان على طبق كتابه إليها فقالت : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] ، وذكرت رب العالمين موضع الرحمن المتجلي على عرش الوجود ، والرحيم المتجلي على عرش الإيمان ، إشارة إلى تحققها بالاسمين واطلاعها على الاسم الرب الذي ينزل إلى سماء الدنيا كما ورد « ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، باب في الرد على الجهمية ، حديث رقم ( 4733 ) [ 4 / 234 ] وتتمة الحديث :