الشيخ عبد الغني النابلسي
110
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
أن كل شيء يسبح بحمده ولا يسبح إلا ذو روح ، فكل شيء له روح من أمر اللّه قيوم عليه باللّه ، وكل شيء عبد اللّه كما قال سبحانه : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) [ مريم : 93 ] ولكن لم يخلق اللّه تعالى شيئا مثل كيفية خلقه لعيسى عليه السلام كيفية باعتبار ترتيب الوسائط لا باعتباره وهو سبحانه الخالق لكل شيء ، لأنه ما فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] وخلقه كله سواء بالنسبة إليه تعالى كما ذكرناه ، وإنما الفرق بالنسبة إلينا ؛ ولهذا قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كما قدمناه . فالموجودات كلها المحسوسات منها والمعقولات والموهومات كلمات اللّه تعالى التي لا تنفد كما قال سبحانه : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 ) [ الكهف : 109 ] ، وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] فإنها ، أي جميع الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بقوله سبحانه كن لكل شيء منها فيكون وكن كلمة اللّه تعالى ، وقد تضمنت الشيء لتوجهها به عليه ، فالشيء لها بمنزلة الحروف الحاملة بطريق الدلالة للمعنى المراد ، و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وهو كن لتوجهها منه تعالى لأنها أمره ، فالأمر الإلهي هو الكلام النفسي ، والخلق بمنزلة الكلام اللفظي كما قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 45 ] . فهل تنسب الكلمة الإلهية التي هي كن إليه تعالى بحسب ما هو تعالى عليه من التنزيه المطلق الذي لا يعلم به إلا هو فلا تعلم ، أي لا يعلم أحد ماهيتها ، أي تلك الكلمة كباقي حضراته تعالى فنسلمها له ونؤمن بها على ما يعلمه هو منها لا على ما نعلم نحن ، لأنه تعالى يعلم ونحن لا نعلم جميع ما يكون له سبحانه كما قال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] ، وقال الملائكة : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] أو نقول : ينزل هو ، أي اللّه تعالى إلى صورة من يقول من ملائكة أو بعض خلقه كن للشيء الذي يريده اللّه تعالى فيكون حينئذ قول كن حقيقة معلومة لنا منسوبة لتلك الصورة التي نزل إليها الحق تعالى فتجلى بها وظهر فيها بقيوميته عليه فبعض العارفين من أهل اللّه تعالى يذهب إلى الطرف الواحد وهو الأوّل وبعضهم ، أي العارفين يذهب إلى الطرف الآخر وهو الثاني وبعضهم ، أي العارفين يحار في الأمر الإلهي ولا يدري ما هو . * * *