الشيخ عبد الغني النابلسي
11
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
تعالى ( يتجلى ) ، أي ينكشف في الدنيا والآخرة ( على قدر استعداد العبد ) ، لأنهم يرون التنوّع في التجليات مع وحدة التجلي الحق ، فارجعوا الاختلاف إلى اختلاف الاستعداد والتهيؤ لقبول الظهور الوجودي الواحد من الحضرة الواحدية ، وأهملوا النظر في اختلاف الاستعداد والتهيؤ لذلك القبول الفائض من الحضرة الأحدية التي لها الأزل كما أن الواحدية لها الأبد ، فاستعداد العبد من فيض الأحدية وقبوله لمقتضى ذلك الاستعداد من الظهور الوجودي من فيض الواحدية والأحدية حضرة اسمه الباطن والواحدية حضرة اسمه الظاهر ، فالعبد من حيث هو عبد ممكن مع قطع النظر عن تعينه واللا تعين فيه بمنزلة محل الفص من الخاتم فإذا فاض عليه الاستعداد والقبول جعله تابعا لمقتضاه ، وهو مشرب ذاتي وغيره مشرب صفاتي وقد بينه المصنف قدس اللّه سره بقوله : ( وهذا ) ، أي ما ذكر هنا من تجلي الحق تعالى ( ليس كذلك ) ، أي ما هو تابع لاستعداد العبد ( فإن العبد ) إذا تجلى عليه الحق تعالى ( يظهر للحق ) تعالى ( على قدر الصورة التي يتجلى له ) ، أي لذلك العبد ( فيها الحق ) تعالى الثابتة في علمه سبحانه من تجلي ذاته لذاته في حضرة علمه القديم . ( وتحرير هذه المسألة ) على الوجه التام أن يقال ( أن للّه ) تعالى من حيث اسمه الباطن والظاهر والأول ( تجليين ) ، أي انكشافين في حضرة الإمكان والأوّل ( تجلّي غيب ) ، أي حاصل في عالم الغيب وهو الحضرة العلمية الإلهية وهو التجلي الذاتي في الحضرات الصفاتية مما لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وهذا التجلي أزلي لا بداية له . ( و ) الثاني : ( تجلي شهادة ) ، أي حاصل في عالم الشهادة وهو عالم الكون وهو التجلي الصفاتي الأسمائي في الحضرات الإمكانية مما تعلمه المخلوقات من بعضها في بعض . وهذا التجلي أبدي لا نهاية له ( فمن تجلي الغيب ) على حضرة الإمكان ( يعطي الحق ) تعالى ( الاستعداد الذي يكون عليه القلب ) ، وهو كونه قابلا أن يكون على هيئة الفص ، لأنه محله وموضع ظهوره وإمساكه به ( وهو التجلي ) ، أي الانكشاف ( الذاتي ) ، أي منسوب إلى الذات الإلهية ( الذي ) هو ( الغيب ) المطلق عن الحس والعقل ( حقيقته ) ، بحيث لا ظهور له من حيث ما هو غيب أصلا ( وهو الهوية التي يستحقها ) الحق تعالى ( بقوله عن نفسه هو ) : اللّه الرحمن الرحيم فهو الغيب الذاتي ، واللّه الحضرة الصفاتية الجامعة لجميع الأسماء ، والرحمن الرحيم ذكر بعض الأسماء الجامعة أيضا بوجه الرحمة التي وسعت كل شيء . ( فلا يزال ) لفظ ( هو له ) ، أي للحق تعالى ( دائما أبدا ) إشارة إلى بقاء غيب الهوية وأنه لا يصير شهادة أصلا . * * *