الشيخ عبد الغني النابلسي

12

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فإذا حصل له أعني للقلب هذا الاستعداد ، تجلّى له التجلّي الشّهوديّ في الشّهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلّى له كما ذكرناه فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طخ : 50 ] ثمّ رفع الحجاب بينه وبين عبده فرآه في صورة معتقده ، فهو عين اعتقاده . فلا يشهد القلب ولا العين أبدا إلّا صورة معتقده في الحقّ . فالحقّ الّذي في المعتقد هو الّذي وسع القلب صورته ، وهو الّذي يتجلّى له فيعرفه . فلا ترى العين إلّا الحقّ الاعتقادي . ولا خفاء في تنوّع الاعتقادات : فمن قيّده أنكره في غير ما قيّده به ، وأقرّ به فيما قيّده به ، إذا تجلّى . ومن أطلقه عن التّقييد لم ينكره وأقرّ به في كلّ صورة يتحوّل فيها . ويعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلّى فيها إلى ما لا يتناهى ، فإنّ صور التّجلّي ما لها نهاية تقف عندها . ( فإذا حصل له أعني للقلب ) ، أي قلب العارف ( هذا الاستعداد ) من التجلي الذاتي ( تجلى ) ، أي انكشف ( له ) ، أي للقلب ( التجلي ) ، أي الانكشاف ( الشهودي ) ، أي المحسوس المعقول ( في ) عالم ( الشهادة ) وهو منزلة ظهور فص الخاتم في محله من الخاتم ممسوكا بموضعه منه ( فرآه ) ، أي الحق تعالى رأى ذلك القلب المستعد الكائن في غيب علمه من تجلي ذاته حيث تجلى له بحضرات صفاته ، فأوجده سبحانه أزلا كما أثبته فيه من الأزل من وجهين ، فهو ثابت غير موجود عنده تعالى من وجه تجلي ذاته العلية ، وموجود من تجلي صفاته عنده تعالى ، كما هو الآن موجود عند نفسه بالوجود الحادث عند نفسه بعين هذا الوجود الحادث ، وإن لم يبق عند نفسه موجودا به ، وتختلف عليه الأحوال إلى الأبد . فإن هذين التجليين للحق تعالى : تجلي الذات الذي يعطي الاستعداد للأشياء ، وتجلي الصفات الذي يعطي قبول الوجود لكل شيء ، قديمان أزليان ، وعطاؤهما قديم ، والاستعداد قديم في الأشياء المعدومة من حيث الذات العلية ، وقبول الوجود في الأشياء قديم أيضا من حيث الصفات الإلهية ، وإنما الحادث مجرد ظهور الأشياء لنفسها ، ووجودها عند علمها بها من تجلي اسمه المقسط ، وهو الذي جعل لكل شيء قسطا عند نفسه وأنزله لنفسه بقدر معلوم . قال سبحانه : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) [ الحجر : 21 ] ، وقال تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] ،