الشيخ عبد الغني النابلسي
109
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
قال تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) [ المؤمنون : 101 ] ، وسبب ذلك النشأة الأخرى التي يتكوّن فيها الكل عن أمر اللّه تعالى من غير واسطة . وقال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) [ عبس : 34 - 35 ] وذلك لبطلان النشأة التي كانت في الدنيا مبنية على السببية بالوسائط وارتفاع الأنساب بالنشأة التي قال تعالى : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) [ النجم : 47 ] ، فيشبه الناس حينئذ خلق آدم عليه السلام بظهور الأمر لهم في عين ما طلبه إبراهيم عليه السلام في الدنيا بقوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] فيريهم اللّه تعالى كلهم كيف يحيي الموتى في ذلك اليوم الآخر وهو قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ المطففين : 6 ] ، أي لا لأنفسهم ولا لبعضهم بعضا لا منسوب إلى الحق تعالى النافخ فيه روحه من أمره تعالى في الصورة البشرية التي صورناها من النطفة في رحم الأم بالملك الذي أرسله لذلك . فإن اللّه تعالى إذا سوى الجسم الإنساني من النطفة في الرحم كما قال تعالى في آدم عليه السلام من غير واسطة ، وفي غيره بواسطة الملك المرسل إلى الرحم كما ورد في الحديث فإذا سويته والتسوية تصويره في الصورة الإنسانية ونفخ فيه ، أي في ذلك الجسم المسوّى هو ، أي اللّه تعالى من روحه فنسب الروح في كونه ، أي وجوده لنفسه وفي عينه ، أي تعينه بالصورة المخصوصة المنفوخ هو فيها إليه تعالى فقيل : روح اللّه . وقال تعالى : فَأَرْسَلْنا إليها رُوحَنا [ مريم : 17 ] وقال تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، فالروح منسوب إلى اللّه تعالى قبل النفخ وبعده ، لأنه مخلوق من أمره بلا واسطة . وعيسى عليه السلام في خلقته ليس كذلك ، أي ليس مثل كل شخص من الناس فإنه اندرجت تسوية جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي فيه فكان النافخ مسويا جسمه وصورته الإنسانية ومعطيا له الروح فيها بفعل واحد وهو النفخ الواحد وغيره ، أي غير عيسى عليه السلام من كل شخص من الناس كما ذكرناه قريبا لم يكن مثله ، أي مثل عيسى عليه السلام بل كان جسمه الإنساني قد سوّاه اللّه تعالى أوّلا ، فلما تمت تسويته نفخ فيه من روحه فلم يخلق اللّه تعالى أحدا كخلقه عيسى عليه السلام أصلا ، ولهذا صحت فيه الوجوه الثلاثة المذكورة دون غيره من المخلوقات ، وإن صح في كل شيء أن يقال إنه كلمة اللّه وإنه روح اللّه وإنه عبد اللّه باعتبار خلق اللّه تعالى كل شيء بقوله : كُنْ فَيَكُونُ وقيام كل شيء به تعالى ، لأنه الحي القيوم وبأمره سبحانه كما قال : أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [ الروم : 25 ] ، ويتنزل الأمر بينهنّ . وقال : ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ [ الطلاق : 5 ] ، وأخبر