الشيخ عبد الغني النابلسي

98

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

كما قال تعالى عنه : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] ، وإليها رفع عيسى ابن مريم عليه السلام وهو حي كما قال تعالى عنه بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 158 ] ، وفيها عندية اللّه تعالى كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأعراف : 206 ] ، ومنها خلق اللّه تعالى الجنة ، وفيها يخلق تعالى كفة الحسنات من الميزان . ( وهما يدا الحق ) تعالى ، أي هاتان الصورتان هما اليدان الإلهيتان ، الأولى صورة العالم ، والثانية صورة الحق تعالى ، مع أن صورة العالم هي صورة الحق تعالى ، لكن إما أن تكون صورة الحق تعالى بواسطة صورة العالم أو بلا واسطة صورة العالم ، ولهذا ورد : « كلتا يديه يمين » « 1 » فصورة الحق تعالى بواسطة هي اليد الشمال ، وأهلها المقبوض عليهم بها هم الأشقياء ، لأنها بعيدة عن الحق تعالى بسبب الواسطة ، وصورة الحق تعالى هي اليد اليمين ، وأهلها المقبوض عليهم بها هم السعداء ، لأنها قريبة من الحق تعالى لعدم الواسطة . ( وإبليس عليه اللعنة جزء من ) أجزاء ( العالم ) كما أن الملائكة جزأ من أجزاء العالم أيضا كما تقدم ، ومثل ذلك كل شيء ما عدا آدم عليه السلام وبنوه الكاملون ، وحيث كان إبليس جزء من العالم ( لم يتحصل له هذه الجمعية ) بين اليدين الإلهيتين كما حصلت لآدم عليه السلام ( ولهذا كان آدم ) عليه السلام ( خليفة اللّه ) ، تعالى في الأرض دون إبليس عليه اللعنة لجمعه بين اليدين وإبليس لم يجمع بينهما ( فإن لم يكن ) آدم عليه السلام ( ظاهرا بصورة من استخلفه ) وهو الحق تعالى ( فيما استخلفه فيه ) وهو العالم ويكون ظاهرا بصورة العالم أيضا ( فما هو خليفة ) ، لأن الخليفة يجب أن تكون صورته صورة الذي استخلفه ، ليمد هو كما يمد أصله بما يمد به أصله ، وأن تكون صورته صورة من استخلف عليهم أيضا حتى يعلم كيفية إيصال الإمداد إليهم . ( وإن لم يكن فيه ) ، أي في الخليفة أيضا ( جميع ما تطلبه الرعايا التي استخلف ) ، أي استخلفه غيره ( عليها ) من جميع الحوائج والمصالح الروحانية والجسمانية جليا ، ودفعها ضرّا ونفعا ( لأن استنادها ) ، أي الرعايا بمعنى نسبتها ( إليه ) في الخير والشر ، فإذا كانت في خير نسب إليه أو في شر كذلك ( فلا بد أن يقوم ) ، أي ذلك الخليفة ( بجميع ما تحتاج إليه ) الرعية من الحوائج والمصالح كما ذكرنا ( وإلا فليس بخليفة عليهم ) ، لعدم وجود ما يحتاجون إليه عنده ، فإذا لم توجد

--> ( 1 ) أورده ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ، قوله : وقال خالد بن مخلد . . ، شرح حديث رقم ( 6993 ) [ 13 / 417 ] .