الشيخ عبد الغني النابلسي
99
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عنده جميع حوائجهم ومصالحهم كان مثلهم محتاجا مفتقرا إلى من عنده جميع ذلك ، فما هو بخليفة حينئذ ، كما أن السلطان إذا لم تكن عنده القدرة على فصل الخصومات بين رعيته وقطع المنازعات عنهم فليس بسلطان عليهم ، إذ لا سلطنة له ، والسلطان مشتق من السلطة وقد وجد فيه العجز عن ذلك ، فشاركهم فيه ، فكان مثلهم من جملة الرعايا ، وكذلك خليفة الحق تعالى يخلف الحق في وجود جميع الحوائج والمصالح التي للمخلوقات كلهم عنده ، كما أن جميع ذلك له وجود للمخلوقات عند الحق تعالى على التمام من غير عجز عن شيء من ذلك ، فيلزم أن يكون كذلك عند الخليفة موجودا على التمام من غير عجز عن شيء منه وإلا لم يكن خليفة ، لأنه لم يخلف الحق تعالى في جميع ذلك ، فهو حينئذ مثلهم من جملة الرعايا . * * * فما صحّت الخلافة إلّا للإنسان الكامل . فأنشأ صورته الظّاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى . ولذلك قال فيه : « كنت سمعه وبصره » وما قال : « كنت عينه وأذنه » ، ففرّق بين الصّورتين . وهكذا هو في كلّ موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود . لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة . فما فاز إلّا بالمجموع . ( فما صحت الخلافة ) التامة الكاملة من الحق تعالى على جميع المخلوقات ( إلا للإنسان الكامل ) الذي غلبت إنسانيته على حيوانيته ، وأما الإنسان القاصر الذي غلبت حيوانيته على إنسانيته ، فهو خليفة على بعض المخلوقات ، ويسمى عاملا حينئذ لا خليفة كاملا وذلك كجميع بني آدم المؤمن منهم والكافر والصغير منهم والكبير والعاقل والمجنون ، فإنه لا بد من استخلافه عن الحق تعالى الذي هو مالك للعالمين ولو على يده ورجله وسمعه وبصره ، فيقبل شيئا من ذلك بطريق النيابة عن الحق تعالى في الظاهر ، وقد جعل اللّه تعالى الملك حكما منه تعالى لكل أحد من بني آدم ، ولو على ثوبه الساتر لعورته نيابة على المالك الحقيقي وهو الحق تعالى ، حتى قال تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ [ غافر : 16 ] ، وهم الأموال وأوجب عليهم فيها الزكاة