الشيخ عبد الغني النابلسي
89
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وليس إلا افتقارنا إليه في الوجود وتوقّف وجودنا عليه لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه . فبهذا صحّ له الأزل والقدم الّذي انتفت عنه الأوّليّة التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه الأوّليّة مع كونه الأوّل . ولهذا قيل فيه الآخر فلو كانت أوليّته أوّليّة وجود التّقييد لم يصحّ أن يكون الآخر للمقيّد لأنّه لا آخر للممكن لأنّ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها . وإنّما كان آخرا لرجوع الأمر كلّه إليه بعد نسبة ذلك إلينا ، فهو الآخر في عين أوّليّته والأوّل في عين آخريّته . ( فكذلك أيضا ) في جناب الحق تعالى ( وإن وصفنا بما وصف به نفسه من جميع الوجوه ) ، كما ذكرنا لدلنا عليه تعالى بنا ( فلا بد من فارق ) ، موجود بيننا وبينه تعالى ( وليس ) ذلك الفارق ( إلا افتقارنا إليه ) ، سبحانه وتعالى ( في الوجود ) وافتقاره هو جل وعلا إلينا في الأوصاف والأسماء على حد ما بيناه فيما سبق ( و ) إلا ( توقف وجودنا عليه ) سبحانه وتعالى ، فإن وجوب وجوده تعالى بذاته ووجوب وجودنا نحن به تعالى ( لإمكاننا ) ، أي قبولنا للوجود والعدم على السوية من غير ترجيح إلا بمرجح من جهة الغير ( وغناه ) عز وجل ( عن مثل ما افتقرنا إليه ) من الوجود فإنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره ، وأما في أوصافه وأسمائه فهو متوقف علينا ومفتقر إلينا ، فكما أنه تعالى أعطانا الوجود فنحن أعطيناه الأوصاف والأسماء ، وربما يتلاعب بعقلك خاطر تشكل به علينا توقف الحق تعالى في الأوصاف والأسماء على غيره وافتقاره إلينا في ذلك ، فترد الحق المبين بوسواس عقلك المتمسك في دينك ، فنقول لك ألم تؤمن بتعلقات أوصافه تعالى وأسمائه بأثاره ، وأن هذه التعلقات كلها أزلية ، وأنها نفسية للصفات كما ذكروه في عقائد أهل البداية ، والصفة النفسية ، وتفارق الموصوف بها إذ لولاها لما كان الموصوف بها ، وهذا القدر كاف لك في نصرتك على وسواسك وعقلك إن كنت من أهل التوفيق في هذا الطريق . ( فبهذا ) ، أي بغناه تعالى على مثل ما افتقرنا إليه وهو الوجود الذاتي ( صح له ) تعالى دون غيره الاتصاف بوصف ( الأزل والقدم ) وهما بمعنى واحد ، ولهذا نعتهما بطريق الإفراد فقال : ( الذي انتفت عنه الأولية ) ، فإن الأزل والقدم لا أوّل له ثم نعت الأولية بقوله ( التي لها افتتاح الوجود عن عدم ) قبلها ( فلا ) يصح أن ( تنسب إليه ) تعالى ( الأولية ) ، لأنه تعالى لا افتتاح لوجوده ( مع كونه ) تعالى هو ( الأوّل ) فهذا الاسم له تعالى لا يدل على افتتاح الوجود ، ( ولهذا قيل فيه ) تعالى أيضا أنه هو