الشيخ عبد الغني النابلسي

90

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( الآخر ) ، فإن الأوّل بمعنى المفتتح وجوده قبل كل موجود لا يكون أيضا هو الآخر إلا بعد اختتام جميع الموجودات واللّه تعالى هو الأوّل والآخر من الأزل قبل افتتاح الوجود واختتامه . ( ولو كانت أوليته ) سبحانه وتعالى المشتقة له من اسم الأوّل ( أوّلية وجود ) عالم ( التقييد ) على معنى أنه أوّل كل موجود حادث ( لم يصح ) له تعالى ( أن يكون ) مع ذلك هو ( الآخر ) أيضا ( للمقيد ) الذي هو هذا العالم الحادث ( لأنه لا آخر للممكن ) الحادث ( لأن الممكنات ) الحادثة ( غير متناهية ) ، فإن أمر الدنيا إذا انتقل إلى الآخرة كان أهل الجنة مخلدين في الجنة إلى ما لا نهاية له وأهل النار كذلك مخلدون في النار بلا نهاية ( فلا آخر لها ) ، أي الممكنات الحادثة ، فلا تتحقق حينئذ آخرية الحق تعالى وآخريته متحققة ثابتة له تعالى في الأزل كما ذكرنا من اسمه الآخر . ( وإنما كان ) سبحانه وتعالى ( آخرا لرجوع الأمر ) في هذا الوجود الحادث والوجود القديم ( كله ) روحانية وجسمانية ( إليه ) تعالى لا يشاركه فيه غيره كما قال تعالى لأفضل خلقه محمد عليه السلام : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] وقال : لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [ الرعد : 31 ] ، وقال وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ البقرة : 210 ] ( بعد نسبة ذلك ) الأمر ( إلينا ) ، في قوله تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [ التوبة : 105 ] الآية . وقوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ المائدة : 105 ] وتسميتنا أولي الأمر في قوله : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] وقوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] . وقوله عليه السلام : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه » « 1 » الحديث فهو تعالى الْأَوَّلِ قبل نسبة ذلك إلينا ، وهو الآخر أيضا بعد سلب تلك النسبة عنا ، وتلك النسبة مسلوبة عنا في حال نسبتها إلينا ( فهو ) تعالى ( الآخر في عين أوليته و ) هو أيضا ( الأول في عين آخريته ) لأن أسماءه تعالى كلها قديمة أزلية . * * * ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر وباطن فأوجد العالم عالم غيب

--> ( 1 ) « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد اللّه فهو أقطع » وفي رواية : [ بسم اللّه الرحمن الرحيم ] ، بدل [ بحمد اللّه ] . أورده السيوطي في التفسير وعزاه إلى الحافظ عن عبد القادر الرهاوي في الأربعين بسند صحيح عن أبي هريرة ، سورة الفاتحة [ 1 / 26 ] ورواه ابن حبان في صحيحه ، باب ما جاء في الابتداء بحمد اللّه تعالى . . ، حديث رقم ( 1 ) [ 1 / 173 ] ورواه غيرهما .