الشيخ عبد الغني النابلسي
83
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لنفسه فوجوده من غيره ، فهو مرتبط به ارتباط افتقار . ولا بدّ أن يكون المستند إليه واجب الوجود لذاته غنيّا في وجوده بنفسه غير مفتقر ، وهو الّذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه ، ولمّا اقتضاه لذاته كان واجبا به . ( ولا شك أن ) هذا الإنسان ( المحدث قد ثبت في ) العقل والنقل ( حدوثه وافتقاره ) ، أي احتياجه ( إلى محدث أحدثه ) كما برهنا عليه في كتبنا في عقائد أهل البداية ( لإمكانه ) ، أي إمكان ذلك المحدث ( في نفسه ) ، أي قبوله للوجود والعدم بالنظر إلى ذاته ( فوجوده ) إنما هو حاصل له ( من غيره ) وهو الذي أحدثه وهو القديم جل وعلا ( فهو مرتبط به ارتباط افتقار ) بحيث لولا الذي أحدثه لما ثبتت له عين في هذا الوجود الحادث ، ولولا هو لما كان للذي أحدثه صفة الإحداث له ، فالربوبية مرتبطة بالعبودية ، لولا وجود الرب ما كان العبد ، ولولا وجود العبد ما كان يسمى الرب ربا ، وهكذا باقي الصفات القديمة المتوجهة على إيجاد الإنسان وغيره ، فالافتقار من الطرفين ، فالعبد مفتقر إلى الرب في الإيجاد ، والرب مفتقر إلى العبد في التسمي باسم الرب ، إذ لولا العبد لما سمي الرب ربا ، لأن رب أي شيء يكون حينئذ ، ولكن إذا كان وصف الربوبية مفتقرا إلى وصف العبودية لا يلزم أن تكون ذات الرب تعالى مفتقرة إلى ذات العبد ، إذ وصف العبودية في العبد أمر لا يفارق العبد إن وجد وإن عدم ، لأنه استعد استعداده القديم الذي ظهر له من كون الحق تعالى معلوما لنفسه بنفسه ، فمن حيث إنه عالم رب ، ومن حيث إنه معلوم عبد ، فافتقار الربوبية إلى العبودية افتقار الحق من كونه عالما إلى الحق من كونه معلوما ، وافتقار العبودية إلى الربوبية بالعكس من ذلك . وأما هذه العين الظاهرة التي تسميها أهل الغفلة عبدا وعبودية فهي أمر وهمي ، والعبد والعبودية وراء ذلك لأنهما أمران حقيقيان ، فافهم مقصودنا ترشد إن شاء اللّه تعالى . ( ولا بد أن يكون ) الذي أحدث هذا الإنسان المحدث ( المستند إليه ) هذا الإنسان المحدث في إحداثه له ( واجب الوجود لذاته ) ، بحيث لا يتصور في العقل عدمه ، لا لمجيء هذا الوجوب لوجوده من جهة غيره بل من جهة ذاته ، على معنى أن ذاته اقتضت وجوده كما شرحنا ذلك في موضعه من عقائد أهل البداية ( غنيا في وجوده بنفسه ) ، لا في أوصافه بل هو في أوصافه مرتبط مع عبده ارتباطا من الطرفين كما بينا . ( غير مفتقر ) في وجوده إلى إيجاد غيره له ، كما أن العبد غير مفتقر في عدمه