الشيخ عبد الغني النابلسي

62

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

في جميع حضراته ، لأن رؤية التفصيل غير رؤية الإجمال ، وإن شئت قلت : أن يرى ذاته المجمل في مرآة الإمكان التفصيلية ، لأن رؤية النفس ظاهرة بصورة الغير ما هي مثل رؤية النفس من دون ذلك الغير ، وقد كان ابتداء الحق تعالى هذا الأمر من غير إتمام حيث خلق العالم كله روحانية وجسمانية فكان بمنزلة الجسد المسوّى الذي لا روح فيه ، أو بمنزلة المرآة الغير المجلوة ، وكل جسد مسوّى مستعد لروح أمري إلهي ، وكل مرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء . * * * فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصّورة . وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصّورة الّتي هي صورة العالم المعبّر عنه في اصطلاح القوم ب : « الإنسان الكبير » . فكانت الملائكة له كالقوى الرّوحانيّة والحسّيّة الّتي هي النّشأة الإنسانيّة . وكلّ قوة محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها . وأنّ فيها فيما تزعم ، الأهليّة لكلّ منصب عال ومرتبة رفيعة عند اللّه لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة . بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهيّ ، وإلى جانب حقيقة الحقائق ، و - في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف - إلى ما تقتضيه الطّبيعة الكلّية الّتي حصرت قوابل العالم كلّه أعلاه وأسفله . ( فاقتضى الأمر ) الإلهي لأجل إتمام ما أراده تعالى من خلق جسد العالم وإظهار مرآته الغير المجلوة ( جلاء مرآة العالم ) بإزالة الكثافة منها ، ومسحها من أوساخ القصور والنقصان ، وإمدادها بالإشراق والصقالة ( فكان آدم ) عليه السلام من حيث روحه وعقله ونفسه وجسده ( عين جلاء تلك المرآة ) ، فروحه جلاء لعالم الأرواح ، وعقله جلاء لعالم العقول ، ونفسه جلاء لعالم النفوس ، وجسده جلاء لعالم الأجساد ، فبسبب خلق آدم عليه السلام انجلت مرآة العالم كمال الانجلاء فظهر له تعالى وجهه متنوعا بعد تنوعات ما يقتضيه صفاته وأسماؤه كما قال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ] . ومن وسعه كان جميع ما ظهر من صور وجهه الواحد في مرآة العالم بالنسبة إلى ما لم يظهر كلا شيء بالنسبة إلى شيء لا نهاية له .