الشيخ عبد الغني النابلسي

63

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( وكان ) آدم عليه السلام ( روح تلك الصورة ) التي هي جسد العالم المسوّى ، فقد أمد اللّه تعالى عالم الروحانيات بروح آدم عليه السلام ، وأمد عالم العقول بعقله ، وأمد عالم النفوس بنفسه ، وأمد عالم الأجساد بجسده ، فكان روح هذا الجسد المسوّى ، وهذا حكمة تأخير خلقه عليه السلام عن خلق جميع أنواع العالم ، وحيث كان آدم عليه السلام حين خلق اللّه تعالى روح جسد العالم ، وقد كانت الملائكة عليهم السلام قبله أجزاء من جسد العالم بمنزلة العروق والأعصاب المتهيئة لسريان القوى الروحانية فيها عند نفخ الروح قال : ( وكانت الملائكة ) عليهم السلام يعني بعد خلق آدم عليه السلام ونفخه ، روحا أمريا إلهيا في جسد العالم المسوى ( من بعض قوى تلك الصورة ) المسواة ( التي هي صورة العالم ) كله ( المعبر عنه في اصطلاح القوم ) الصوفية من أهل اللّه تعالى ( بالإنسان الكبير ) ، لأن هذا الإنسان الصغير الذي هو آدم عليه السلام مختصر منه واسمه إنسان ، وهو على صورته لمقابلة كل روحاني منه روحانيا من العالم ، وكل جسماني منه جسمانيا من العالم ، والروح النفخي الأمري الإلهي قدر زائد في آدم عليه السلام ليس موجودا في شيء من العالم غيره ، وبهذا الروح النفخي المذكور انجلت مرآة العالم ، وتم ظهور اللّه تعالى بنفسه لنفسه . ( فكانت الملائكة ) عليهم السلام ( له ) ، أي لهذا الإنسان الكبير ( كالقوى الروحانية ) العاقلة والمفكرة والمخيلة والوهمية في الدماغ ، والهاضمة والجاذبة والطابخة ونحو ذلك في المعدة ( و ) القوى ( الحسية ) الباصرة والسامعة والذائقة والشامة واللامسة ( التي في النشأة الإنسانية ) ، فكان العالم قبل خلق آدم عليه السلام بمنزلة القالب المسوى من الطين ، ثم أفرغ آدم عليه السلام فيه بنفخ اللّه تعالى روحه في جسده المجموع من أجزاء العالم كلها ، فظهر في آدم عليه السلام جميع ما في العالم ، ولكن اختلف الاسم ففي القالب المسوى ملائكة ، وفي آدم عليه السلام قوى روحانية وحسية ، وفي القالب عناصر وطبائع ، وفي آدم أخلاط وطبائع ، وفي القالب كواكب وأفلاك ، وفي آدم أعضاء وحواس ، وهكذا . ( وكل قوّة ) في جسد هذا العالم ( منها ) ، أي من تلك القوى الروحانية والحسية التي هي حقائق الملائكة ( محجوبة ) عن إدراك حقيقة غيرها ( بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها ) لاشتغالها بكمالها عن معرفة كمال غيرها من بقية القوى . ( و ) ترى ( أن فيها فيما تزعم ) لا في حقيقة الأمر ( الأهلية ) ، أي الاستعداد التام ( لكل منصب عالي ) من مراتب القرب الإلهي ( و ) كل ( منزلة رفيعة عند اللّه ) تعالى ( لما عندها ) ، أي عند كل قوّة من تلك القوى ( من الجمعية ) لكل وصف إلهي