الشيخ عبد الغني النابلسي
61
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لجميع الكائنات ، وتجلي صفاتي أعطى تلك الكائنات ما استعدت له . وإن شئت قلت : تجلي واحد رسم الكائنات ثم نقشها وأثبتها ثم قوّاها في ذلك الإثبات فالاستعداد أو الرسم أو الإثبات هو الروح الأمري الإلهي وإعطاء كل مستعد استعداده ونقش الرسم وتقوية الإثبات هو الجسد المسوّى . فإن قلت : يلزم من هذا أن يكون الروح الأمري الإلهي سابقا على الجسد المسوّى ، وقوله تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] يقتضي سبق الجسد المسوّى على نفخ الروح . قلت : نعم الروح الأمري الإلهي سابق بدليل قوله عليه السلام : « إن اللّه خلق الأرواح قبل الأجسام بألفي عام » « 1 » وكذلك النفخ متوجه على ذلك الجسد ، أي مقبل على تسويته قبل ظهور التسوية ، ولكن ظهور ذلك النفخ فيه بعد تمام تسويته ، فالروح الأمري هو الأول المتقدم على الجسد وهو الآخر عنه ، والجسد هو الأول في التوجه والإقبال على تسويته ، وهو الآخر في ظهوره ، كما أن الروح هو الظاهر من حيث الأعمال والباطن من حيث عدم الإحاطة ، وكذلك الجسد هو الظاهر من حيث الصورة والباطن من حيث إنه توجه روحاني من ذلك الروح الأمري ، فهو عين النفخ الإلهي ، والنفخ الإلهي باطن فهو باطن من هذا الوجه . ( فالأمر ) الذي هو مجموع هذا الوجود ( كله ) ، روحانية وجسمانية وقابله ومقبوله وأوّله وآخره وظاهره وباطنه ( منه ) تعالى لأنه تفصيل مجمله وتبيين مشكله ( ابتداؤه ) في الظهور والبطون ( وانتهاؤه ) في السعادة والشقاوة . وقال تعالى : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) [ النجم : 42 ] ، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ يعني أهل الجنة وَأَبْكى [ النجم : 43 ] يعني أهل النار . ثم لما انتهى الكل إليه زال الضحك والبكاء ( وَإِلَيْهِ ) ، أي إلى ذاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ( يُرْجَعُ الْأَمْرُ ) المذكور ( كُلُّهُ ) [ هود : 123 ] فلا يخرج عنه شيء منه ولهذا كان : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فإن البعض لا يشبه الكل ، والكل بعضا فلا يشبه شيء ولا كل شيء ، لأنه خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، فقد فصل كل شيء من مجمله ، وهو بمجمله عليم كما ( ابتدأ ) الأمر كله ( منه ) تفصيلا من إجمال ، فإنه يرجع إليه مجملا من تفصيل ، وحيث تقرر لك في هذا الكلام أن الحق تعالى أراد أن يرى ذاته متعينة في أعيان صفاته مسماة بحقائق أسمائه
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ضمن شرح حديث « الأرواح جنود مجندة . . » برقم ( 315 ) [ 1 / 121 ] .