الشيخ عبد الغني النابلسي

60

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وبمرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء . قال : بحسب الأول ( ومن شأن ) ، أي عادة ( الحكم الإلهي ) الجاري في الخلق ( أنه ) أي الحكم الإلهي ( ما سوى محلا ) أي جسدا ( إلا ولا بد أن يقبل روحا ) ، أي إمداد ( إلهيا ) ، له على طريق التدبير المستقل ( عبّر ) في الشرع ( عنه بالنفخ فيه ) . قال تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، فالروح عامة في الحيوان والنفخ خاص في الإنسان ( وما هو ) ، أي النفخ فيه ( إلا حصول الاستعداد ) التام وهو التهيؤ ( من تلك الصورة المسواة ) ، قبل ذلك ( لقبول فيض التجلي ) ، أي الظهور من الحق تعالى ( الدائم ) الأبدي في الدنيا والآخرة فهو تعالى المتجلي والمتجلى له من حيث إنه معطي الفيض وواضع الاستعداد ، والفيض والاستعداد ظهوران له تعالى لا ينقضيان وتجليان لحضرته العلية أبديان . ( الذي ) نعت للفيض ( لم يزل ) من الأزل حيث لم يكن شيء من العوالم غير القوابل المتجلي هو لها من اسمه الباطن ( ولا يزال ) في الأبد أيضا كل شيء ظاهر بما استعد له من اسمه الباطن . والتجلي هو السائق للعالم من الأزل إلى الأبد ، وهو وصف فعلي من حيث القوابل ، انفعالي من حيث الفيض الدائم . ( وما بقي ) مما يسمى روحا إلهيا ( إلا قابل ) ، أي مستعد للفيض الدائم من التجلي والقابل هو ذلك الجسد المسوى فالروح الإلهي هو ذلك الجسد المسوّى من حيث إنه قابل لا مطلقا . والحاصل أن الفرق بين الجسد المسوى والروح الإلهي بوضع القبول لذلك الفيض والاستعداد له ، وهو أمر واحد ظهر في عالم الخلق بصورة جسد مسوّى ، فإن انجلت الصورة وقويت من حيث تصويرها واستعدت لقبول الكمال الفياض من حضرة الجود الإلهي ، فذلك هو الروح الإلهي المنفوخ في ذلك الجسد المسوّى وإن انجلت بعض الإنجلاء بحيث استعدت لإدراك المحسوسات فقط بقوّة عرضية سارية في أجزاء الهيكل الجسماني ، فهي الروح الحيوانية التي إذا فارقته مات ، ومن التنبيه على ذلك نزول جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ومجيئه لمريم عليها السلام في صورة بشر سوي ، فإن ذلك الجسد البشري هو بعينه حقيقة جبريل عليه السلام وجبريل ما تغير عن حقيقته ، غير أن اللّه تعالى أعطى حقيقته الملكية لخصوصية فيها أنه متى فعل كذا من فعل مخصوص ظهر في صورة كذا ، أو فعل كذا أو هكذا الأرواح الجنية في تشكلها . ( والقابل ) المذكور ( لا يكون ) قابلا بوضع القابلية فيه من الأزل ( إلا من فيضه ) سبحانه وتعالى ( الأقدس ) المتنزه عن شائبة الحدوث والنقصان . والحاصل أن الحق تعالى له تجليان أزليان : تجلي ذاتي أعطى الاستعدادات