الشيخ عبد الغني النابلسي

59

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

المفهومة من المرآة ، فافهم ترشد ، واللّه أعلم . * * * وقد كان الحقّ أوجد العالم كلّه وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ومن شأن الحكم الإلهي أنّه ما سوّى محلّا إلّا ولا بدّ أن يقبل روحا إلهيّا عبّر عنه بالنّفخ فيه ؛ وما هو إلّا حصول الاستعداد من تلك الصّورة المسوّاة لقبول الفيض التّجلّي الدائم الّذي لم يزل ولا يزال . وما بقي ثمّة إلّا قابل ، والقابل لا يكون إلّا من فيضه الأقدس . فالأمر كلّه منه ابتداؤه وانتهاؤه : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] كما ابتدأ منه . ( وقد كان الحق ) تعالى أولا قبل إيجاد الإنسان ( أوجد العالم ) ، والمراد به هنا ما عدا الإنسان ( كله ) نورانية وظلمانية وذلك هو القلم واللوح المحفوظ والملائكة والأرواح والكواكب والأفلاك والسماوات والعناصر والمواليد الثلاث : الجماد والنبات والحيوان . وطريق إيجاده ذلك أن قامت له ذاته العلية مقام المرآة على التنزيه التام ، فنظر فيها ليرى ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ، فظهر القلم صورة ذاته ، واللوح المحفوظ صورة صفاته ، والملائكة والأرواح والكواكب صورة أسمائه المعنوية ، والأفلاك والسماوات والعناصر صورة أسمائه اللفظية ، والمواليد الثلاث صورة أحكامه الثلاث : الحلال والحرام والمباح في التناول ، والفرض والمستحب والواجب في الطلب ، والصحيح والباطل والناقص في الامتثال ، ثم كثرت أشخاص المواليد لكثرة أشخاص الأحكام المذكورة واختلفت لاختلافها . وتم بذلك ظهور اللّه تعالى الظهور التام وهو الإنسان الكبير أو المصحف الكبير وجود ( شبح ) ، أي جسد ( مسوّى ) ، أي تام الخلقة مستعد للترقي في المقام الروحاني ( لا روح ) إنسانية ( فيه ) بل فيه الأرواح القوية في الأعمال دون الإدراك وهو الملكية والفلكية والجنية ( فكان ) ، أي العالم كله بالنظر إلى ظهور الحق تعالى فيه ( كمرآة ) للحق تعالى ومرآته في الحقيقة ذاته كما ذكرنا ، ولكن لما كان العالم صورة المرآة كان مرآة بحيث إن الحق تعالى إذا نظر فيه فقد نظر إلى ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ، ولكن تلك المرآة ( غير مجلوة ) ، لتكاثف الجسماني منها وانطماس النوراني . ثم لما شبه وجود العالم كله بشيئين : بجسد مستوي مستعد لنفخ الروح فيه ،