الشيخ عبد الغني النابلسي

58

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( جامع ) ذلك الكون لجميع المؤتلفات والمختلفات ( يحصر ) ذلك الكون الجامع ( الأمر ) الإلهي المطلق فيظهر به مقيدا ( لكونه ) ، أي لكون الجامع ( متصفا بالوجود ) بعد الاتصاف بالعدم ، ومعلوم أن الوجود للأمر الإلهي فإذا اتصف المعدوم به كان ذلك الاتصاف بسبب حصره للأمر الإلهي ، وظهر الأمر الإلهي كله به ، وفي نسخة أخرى لكونه متصفا بالوجوه ، أي لكون هذا الكون الجامع متصفا بالوجوه الكثيرة والاعتبارات المختلفة والنسب التي لا تحصى ، كما قالوا إن للّه تعالى في طي هذا العالم عوالم كثيرة لا يعلم بعدّتها إلا اللّه تعالى . وقال بعض المريدين : أدخلني شيخي خمسمائة عالم هذه السماوات والأرض عالم منها . ( ويظهر ) معطوف على يحصر أي يتضح وينكشف ( به ) ، أي بذلك الكون الجامع ( سره ) ، أي سر الحق سبحانه وسره تعالى ذاته من حيث كونها معلومة له ، والسر هو الأمر الخفي وذاته تعالى لولا علمه تعالى بها لخفيت عنه ( إليه ) ، أي إلى الحق تعالى إذ هو العالم والمعلوم والشاهد والمشهود ، ولهذا قالوا : إن علم اللّه تعالى بالعالم كله هو علمه بذاته تعالى من غير مغايرة . ( فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ) من غير أمر آخر ( ما هي مثل رؤيته نفسه ) بنفسه ( في أمر آخر ) غير نفسه ( يكون ) ذلك الأمر الآخر ( له كالمرآة ) من الزجاج مثلا يقابلها بنفسه ( فإنه يظهر له نفسه ) فيها ( في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ) ، وهو المرآة الصغيرة مثلا فيها صورة وجه الناظر صغيرة والكبيرة صورة وجه الناظر فيها كبيرة والطويلة طويلة وهكذا ( مما ) ، أي من الشأن والحال الذي ( لم يكن يظهر له ) ، أي لذلك الناظر ( من غير وجود هذا المحل ) المنظور فيه ( ولا تجليه ) ، أي ظهور ذلك الناظر بنفسه ( له ) ، أي لذلك المحل إذ لولا تجلي الناظر بنفسه للمرآة المنظور فيها ولولا وجود المرآة المنظور فيها ، أيضا لما ظهرت هذه الصورة التي لوجه الناظر في المرآة على حسب كبر المرآة وصغرها ونحو ذلك ، ومن رأى صورة وجهه في المرآة لا يرى في ذلك الوقت جرم المرآة بل يحتجب عنه جرمها بصورة وجهه فيها وهو متحقق بأن وجهه فيها ، لم يحل في المرآة ولا حلت المرآة فيه ، ولا اتحد وجهه مع الصورة التي في المرآة ، وليست الصورة التي في المرآة غير صورة وجهه ، ولا تشابه صورة وجهه من جهة كونها معدومة الحقيقة ظاهرة العين وصورة وجهه محققة ، ولا يمكن أن تكون صورة المرآة على خلاف صورة وجهه ، بل جميع ما هو مصور في المرآة هو صورة ما عليه وجهه مع أنها على خلاف صورة وجهه من جهة أن يمينها شمال وجهه وبالعكس ، وقد قال وجهه لها قولا بلا حرف ولا صوت كن فتكونت على طبق ما أراد منها من غير معالجة ولا مماسة ، إلى غير ذلك من العبر