الشيخ عبد الغني النابلسي
50
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
قال عليه السلام : « المؤمن مرآة المؤمن » « 1 » واللّه من أسمائه المؤمن ، وكل من تنزه عن الأغراض النفسية تقدّس مقام شهود الحق في بصيرته فلا يدخل عليه التلبيس في شهوده . ( وأرجو ) ، أي أتمنى ( أن يكون الحق تعالى ) بمحض فضله وإحسانه ( لما سمع دعائي ) ، لأنه يسمع كل شيء ( قد أجاب ندائي ) ، بقوله : لبيك يا عبدي في مقام سمع العبد بالحق ، وبتكوين جميع ما طلبته منه في مقام بصر العبد بالحق كما ورد في الحديث القدسي « 2 » . قال النبي عليه السلام عن اللّه تعالى : « عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن فيكون » « 3 » . ( فما ألقي ) في كتابي هذا وكذلك في سائر كتبي ( إلا ما يلقي ) ، أي يلقيه اللّه تعالى بسبب فراغ الإناء وزوال العنا ( إليّ ) في قلبي من غير تفكر ولا تدبر ( ولا أنزل في هذا الكتاب المسطور ) الذي أنا بصدده الآن ( إلا ما ينزل ) به ( علي ) من حضرة ذي الجلال والإكرام بطريق الفيض والإلهام . ثم استشعر من ذكر الإلقاء إليه والإنزال عليه أن يفهم أحد منه أنه يدعي نبوّة التشريع ورسالة الجناب الرفيع فاحترز عن ذلك بقوله : ( ولست بنبي ) من أنبياء اللّه تعالى ( ولا رسول ) من رسله تعالى ( ولكنني وارث ) للنبي والرسول مقام ولايتهما ، وذلك لأن المراتب أربعة وهي : دوائر بعضها أخص من بعض ، فالأولى : مرتبة الإيمان والإسلام وهي الدائرة الكبرى المحيطة بباقي الدوائر ، والثانية : مرتبة الولاية وهي الدائرة الوسطى ، والثالثة : مرتبة النبوة ، والرابعة : مرتبة الرسالة . فالجميع يشتركون في المرتبة الأولى ، والمرتبة الثانية ممتازة عن الأولى بالولاية ، والثالثة عن الثانية بالنبوّة ، والرابعة عن الثالثة بالرسالة . فالرسول نبي ولي مؤمن ،
--> ( 1 ) رواه أبو داود في السنن ، باب في النصيحة . . ، حديث رقم ( 4918 ) [ 4 / 280 ] والبيهقي في السنن الكبرى ، باب في الشفاعة . . ، حديث رقم ( 16458 ) [ 8 / 167 ] . ( 2 ) ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : إن اللّه قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » . رواه البخاري في صحيحه ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6136 ) [ 5 / 2384 ] والحديث رواه غيره . ( 3 ) جزء من حديث رواه الترمذي في سننه ، باب 48 ، حديث رقم ( 2495 ) [ 4 / 656 ] وابن ماجة في السنن ، باب ذكر التوبة ، حديث رقم ( 4257 ) [ 2 / 1422 ] ورواه غيرهما .