الشيخ عبد الغني النابلسي
51
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
والنبي ولي مؤمن ، والولي مؤمن فقط ليس بنبي ولا رسول ، فقد اشترك الولي والنبي في الولاية ، وهي العلم الذي ورثته الأنبياء عليهم السلام قال تعالى : و أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا [ فاطر : 32 ] . وقال عليه السلام : « العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتي وورثة الأنبياء » . ( ولآخرتي حارث ) من الحرث وهو الإثارة لإخراج ما فيها من النبات ، والمراد أني مثير أرض جسمي لإخراج ما أودعه اللّه تعالى في خزائن سري من علوم الحقائق الأخروية والأجزية الرضوانية الكثيبية . ثم قال مشيرا إلى أن جميع ما صدر منه في هذا الكتاب إنما كان ترجمة عن الحضرة الإلهية لا تحكما بنظر نفسه على المعارف الربانية ( فمن اللّه ) لا مني لأني عند نفسي هالك إلا وجه ربي إلي كما قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] فوجه ربي إلي هو الظاهر فيّ وإن كنت موجودا عندكم ؛ فذلك تلبيس من اللّه تعالى عليكم . ( فاسمعوا ) أيها الناس الذين أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالخروج إليهم بفصوص الحكم لينتفعوا به ما أخرج إليكم به من حضرة غيبي إلى شهادتي من علوم اللّه النافعة لكم ( وإلى اللّه ) لا إلى نفوسكم ( فارجعوا ) فيما سمعتموه مني فإنكم إليه ترجعون وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ، وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [ العنكبوت : 21 ] ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ المائدة : 18 ] ، و إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) [ القيامة : 30 ] . ( فإذا ما سمعتموا ما ) ، أي الذي أو شيئا ( أتيتم ) بالبناء للمجهول ، أي أتيتكم ( به ) من العلوم الإلهية في هذا الكتاب ( فعوا ) ذلك وتثبتوا في سماعه واصغوا إليه ولا تنتقدوا شيئا منه ، فإني ما وضعته لكم إلا نافعا لا مضرا بإشارة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كما سبق ، فلا تأخذوه بلا وعي فتجهلوه فتجحدوا ما جهلتموه ، لا هذا الكتاب فتظنون أنكم تعلمونه وأنتم لا تعلمون فتحرمونه وتفترون عليه ما ليس فيه . قال الشاعر : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع ( ثم ) بعد وعيه ( بالفهم ) النوراني ( فصّلوا ) ما تجدونه فيه من ( مجمل القول ) فإن المسألة إذا بنيت على مقدمات كثيرة منطوية في علم المتكلم بها يصعب عليه في وقت ذكرها تفصيل جميع مقدماتها ، فهو يفصلها في موضع ويجملها في موضع آخر لسعة العلم ، ومثل هذا الكتاب ليس مصنفا للقاصرين عن معرفة العلوم الظاهرة ، بل هو لأهل البداية في علم الحقيقة المشرفين على أنوار الطريقة ، بل للعارفين الكاملين في مرتبة حق اليقين ، ولهذا قال : ( واجمعوا ) إذ هم أهل الجمع والتفصيل ، وأما الذين يعلمون ظاهرا من