الشيخ عبد الغني النابلسي

41

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الحادث فهو معنى حادث ، وليطل أمر اللّه ونهيه وهو أمر مستحيل ، فثبت أنه لا بد أن تكون جميع محكومات العقل معاني حادثة ، فالإله المنزه الذي في الاعتقادات مأمور بإثباته كل مكلف ، وهو غير الإله الحق الذي لا يتعلق به حكم للعقل لا بإثبات ولا بنفي ، كما أن الشريك والمثيل والصاحبة والولد المتصوّرات في العقل مأمور بنفيها عن الحق تعالى كل مكلف ، وإنما هي مستحيلات التصوّر العقلي لا المستحيلات الحقيقية فإنها ممتنعة عن حكم العقل إثباتا ونفيا ، وسيأتي بقية الكلام على إله المعتقدات في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . فيبقى معنى الانتقال المذكور انتقال من عدم إلى وجود ، فحادث منتقل إلى حادث ، غير أن هذا الحادث المنتقل من العدم إلى الوجود ، محكوم عليه بجميع أحكام القديم ، ومسمى بجميع أسمائه ، وموصوف بجميع أوصافه حكما إلهيا لا لمناسبة فيه ولا لمشابهة بينه وبين القديم تعالى وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] في السماوات والأرض . فالمثل : هو الواجب العقلي الخاص ، والأعلى : أي عن المستحيل العقلي ، ذكر السماوات والأرض هو الجائز ولفظة في إشارة إلى أن هذا الواجب والمستحيل لم يخرجا عن الجائز ، إذا علمت هذا وتحفظت من الخطأ في فهمه على حسب ما أريده ظهر لك معنى تنزل القرآن القديم ومعنى نزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا ، وغير ذلك من مشكلات الدين . ( على قلوب الكلم ) ، جمع كلمة والمراد بها الذات الإنسانية الكاملة ، وتسميتها كلمة جاءت في القرآن العظيم . قال تعالى في حق عيسى عليه السلام : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] . وقال تعالى في إيمان مريم بسائر الأنبياء عليهم السلام : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [ التحريم : 12 ] الآية . وقال تعالى : النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [ الأعراف : 158 ] . فيجوز إطلاق الكلمات على النفوس الكاملة في فضيلتي العلم والعمل ، والمعنى في ذلك أن الكلمة التي ينطق بها الإنسان مجموع حروف تركب بعضها مع بعض ، فحملت معنى زائدا على معاني تلك الحروف في أنفسها بل لا معنى لتلك الحروف في أنفسها متفردة مما يناسب معنى الكلمة المركبة منها ، ولا شك أن الحروف الخارجة من فم المتكلم هي في نفسها هواء دخل إلى الجوف ثم خرج فسمي نفسا ، لأنه ينفس عن القلب كربه ، أي حرارته في قصد المعاني ، وما هناك إلا المعاني ، لا تفرغ من القلب الحيواني تميزت بالعقل أو لم تتميز كقلوب الدواب ونحوها .