الشيخ عبد الغني النابلسي

42

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ثم إن ذلك الهواء إذا مس القلب انبعث من القلب توجه طبيعي لدفعه عنه باعتبار سخونة في الحال مخافة أن يحترق بها ثم يطلب هواء باردا غيره . وهكذا إلى أن لا يقدر على الطلب فتحرقه حرارته الغريزية ويموت الإنسان لذلك ، ومثله الحيوان كما ذكرنا ، فإذا أراد القلب أن يظهر ما فيه من المعاني المتميزة عنده بالعقل أخرج ذلك الهواء الذي مسه على كيفية خاصة بتعليم إلهي كما قال تعالى : عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 4 ] فعند ذلك يمر ذلك الهواء المسمى نفسا على مخارج الحروف التي في الجوف أو الحلق ، أو اللسان أو الشفتين ، فينسكب ذلك الهواء في قوالب تلك المخارج ويخرج من الفم متكيفا بكيفيات تسمى حروفا ، ثم تترتب في الخروج فيسمى تركيبا ، ثم تصل وهي متكيفة كذلك بتموج ذلك الهواء لقوّة اندفاعه من الصدر إلى أذن السامع ويخلق اللّه في نفسه حينئذ معنى تلك الكلمة الذي قصده المتكلم ، فيقال : سمع المخاطب الكلمة وفهمها . إذا علمت هذا فاعلم أن ما نحن بصدده من كلمات اللّه تعالى التامات الفاضلات ، نزلت إلينا وأصلها روح واحدة عظيمة . ومن هنا يسمى الهواء روحا وريحا بقلب الواو ياء ، وهذا الروح العظيم هو أول مخلوق خلقه اللّه تعالى ليس بينه وبين أمر اللّه تعالى واسطة ، كما قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . ثم إن هذا الروح للحق تعالى بمنزلة الهواء الذي يسمى نفسا بالتحريك للمتكلم بالكلمات ، وقد ورد تسميته نفسا في حق اللّه تعالى كما قال النبي عليه السلام : « إني لأجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن » « 1 » فكان الأنصار ، وسماهم نفسا بالتحريك ولم يسميهم كلمات لعدم تضمنهم بشيء من المعاني قبل إسلامهم ، ولمحو صور وجودهم عند أنفسهم لما جاؤوا لنصرته عليه السلام مؤمنين به مذعنين له منقادين إليه تاركين التدبير معه حتى دخلوا في دينه ، كذلك وتفتحت أقفال قلوبهم . ثم إن هذا الروح الذي هو أول مخلوق يسمى نور محمد صلّى اللّه عليه وسلم باعتبار ، ويسمى عقلا وعرشا باعتبار آخر ، كما سنقرره في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى إذا جاءت له مناسبة أو تعرض له الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه في أثناء هذه الفصوص الحكمية ، وحيث كان هذا الروح المذكور للحق تعالى بمنزلة الهواء للمتنفس المتكلم وإن كان بينهما بون بعيد ، فإن الهواء في المتنفس المتكلم يدخل إلى جوفه

--> ( 1 ) رواه الطبراني في مسند الشاميين ، حديث رقم ( 1083 ) [ 2 / 149 ] .