الشيخ عبد الغني النابلسي

38

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

السالفة ، فأبطلت حالتهم التي هم فيها يدينون اللّه تعالى ، فلا يسعهم إلى إنكارها والتبري منها إذ لم تنزل إليهم على حسب ما هي عليه في نفسها بالنسبة إلى تحقق أصحابها بها . وبيان ذلك أن ما نطق به المقلد من الحق واطمأن إليه قلبه من غير فهم هو مقدار ما علمه من اللّه تعالى ، فهو محتفظ عليه يدين اللّه تعالى به ، فلو تكلم عنده صاحب الدليل الفكري بما يجده في تصوّره من تنزيه الحق تعالى الذي هو مقدار ما علمه من اللّه تعالى ويدين اللّه تعالى به ويحتفظ عليه رأى ذلك المقلد أن الذي عند صاحب النظر والاستدلال من الحق تعالى غير الذي عنده فربما يذعن له ويطلب منه الوصول إلى درجته إن ظهر له كمالها ظهورا تقليديا ، وإن ظهر له نقصها ذمها وأنكرها عليه واحتفظ على ما عنده من التقليد المحض ، وكذلك صاحب الشهود إذا تكلم بما يجده في بصيرته من الحق تعالى عند صاحب التقليد أو صاحب النظر والاستدلال وجدا عنده ما ليس عندهما من الحق تعالى ، فإن ظهر لهما كمال حالته إذعانا وتسليما وتوفيقا من اللّه تعالى طلبا حالته وسعيا في بلوغها وإن لم يظهر لهما ذلك احتفظا على مقدار ما علماه من الحق تعالى وأعرضا عنه مدحا وذما واشتغلا بأنفسهما إن كان فيهما بعض توفيق إلهي ، وإن خذلهما اللّه تعالى أنزلا حالته إلى ما هما فيه من القول والاستدلال ، فظهرت حالته في قول المقلد مقالة كفر ، وفي ذهن المتصوّر الناظر زيغا وضلالا فأنكرا عليه حالته وما علما أن ما أنكراه منه مما فهما من حالته هو ينكره أيضا ويتبرأ منه ، غير أنهما لم يفهما حالته على ما هي عليه كما يفهمها هو ، فاضطر الأمر إلى ترجمان يكون عالما باللسانين واقفا على مقاصد الفريقين ليعتذر عن هذا الفريق لهذا الفريق وبالعكس ، فإن الذي أنكره علماء الرسوم على علماء الحقائق هو بعينه لو ظهر لعلماء الحقائق من أنفسهم لأنكروه ، والذي اعترفت به علماء الحقائق وجهلوا فيه علماء الرسوم لو ظهر بعينه لعلماء الرسوم لآمنوا به وأذعنوا له من غير شك ولا تردد وكيف وهو ما تقوله علماء الرسوم بعينه ، ولكنه مفهوم بالفهم الرباني مؤيدا بالتوفيق الصمداني والإلهام الرحماني ، وأرجو بعون اللّه تعالى أن أكون أنا ذلك الترجمان المذكور لهذا الكتاب الذي هو كتاب فصوص الحكم عناية وتوفيقا من الرب الغفور . وحيث تمت المقدمة فلنشرع في المقصود بمعونة الرب المعبود فنقول وعلى اللّه القبول : قال الشيخ محيي الدين بن العربي قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه :