الشيخ عبد الغني النابلسي
37
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ولا شك أن أقسام الإيمان الثلاثة ترجع إلى قسم واحد وهو ما ورد عن اللّه تعالى . قاله المقلدون بأفواههم وتصوّره المستدلون بأذهانهم وشهده العارفون بأسرارهم ، فهو في المقلد قول ، وفي المستدل تصوّر ، وفي العارف شهود ، بمنزلة من قال بلسانه نار ، ومن تصوّر النار في ذهنه ومن أدرك حرارتها ببدنه ، فالقائل يستند في قوله إلى غيره حاكيا عنه ، والمتصوّر يستند في تصوّره إلى ذهنه حاكيا عنه ، والمشاهد يستند في شهوده إلى حقيقة ما شاهد حاكيا عنه ، فمعلم الأول آخر مثله ومعلم الثاني فكره وذهنه ، ومعلم الثالث ربه كما قال بعض العارفين : أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . وشتان بين من ينطق عن غيره ، أو عن فكره وبين من ينطق عن ربه ، فالحق الذي يجب الإيمان به واحد ، ولكن يختلف باختلاف الظهورات ، فظهوره في أصحاب الأقوال غير ظهوره في أصحاب الاستدلال غير ظهوره في أصحاب شهود الأحوال . أرأيت إلى ما ذكرناه من النار ، فإنها في لسان القائل على صورة غير صورتها في ذهن المتصوّر ، غير صورتها في شهود من أحس بحرارتها ، وهي حقيقة واحدة ، لم تتكرر ولكن ظهرت في كل موطن بحسب استعداده ، فإن اللسان لا استعداد فيه إلا للأقوال ، والذهن لا استعداد فيه إلا للتصوّر في الخيال ، وشهود الحس قد استعد لإدراك حقيقة الحال ، ولا أتم من الظهور الشهودي ، لأنه هو المقصود . وأما الظهوران الأولان فإنما قصد منها حصوله ، فهما مقصودان بالغير وهو مقصود بالذات ، وكذلك حقيقة الإيمان بالحق لها ظهور في لسان المقلدين ، غير ظهورها في تصوّر المستدلين الناظرين ، غير ظهورها في شهود العارفين المحققين . ولهذا اختلف العبارات وتنوعت الإشارات وتكلمت كل طائفة بما عندها والكل مصيبون ولكلهم درجات عند ربهم وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزخرف : 32 ] . ومعلوم أنه لا أتم من ظهور الحق تعالى الظهور الشهودي ، ودونه الظهور الاستدلالي النظري الفكري ، ودونه الظهور القولي التقليدي . وهذا الكتاب الذي هو « فصوص الحكم » في بيان الظهور الشهودي ، فبالضرورة يجهله أصحاب الظهور القولي ، وأصحاب الظهور الاستدلالي ، وينكرون منه ما يفهمونه على حسب ما هم فيه ، من القول والتصوّر ، وذلك لأن أصحاب كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة مرتبطون بحالتهم التي هم فيها يعتقدونها ويعبدون اللّه بها ويذمون ما عداها ويحافظون عليها لعدم علمهم من اللّه تعالى غيرها فلو تركوها تركوا مقدار ما علموه من اللّه تعالى وهو كفر ، فإذا أرادوا أن يفهموا ما هو فوق حالتهم التي هم عليها بغير تفهيم من اللّه تعالى ، نزلت تلك الحالة العالية إلى حالتهم