الشيخ عبد الغني النابلسي
36
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
مقدمة الكتاب اعلم أن العلوم ثلاثة : علم القول ، وعلم الفهم ، وعلم الشهود . فعلم القول للمقلدين القاصرين ، وعلم الفهم للناظرين المستدلين ، وعلم الشهود للعارفين الذائقين . وقد انقسم الإيمان باللّه وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالشرائع والأحكام إلى ثلاثة أقسام : إيمان المقلدين : وهو بالقول فقط مع طمأنينة قلوبهم إليه من غير فهم . وقد اعتبره الشارع وسماه إيمانا حيث قال : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [ البقرة : 136 ] الآية . وقال لنبيه عليه السلام : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] إلى آخر السورة . ونحو ذلك . وإيمان المستدلين : وهو بالفهم مع القول فقط . وقد دعا اللّه تعالى إليه حيث قال : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] ، وقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا [ النحل : 48 ] إلى غير ذلك . وأصحاب هذين القسمين من الإيمان أبحاثهم عند علمائهم ، وقد صنفنا في إيمانهم كتبا مختصرة ومطوّلة ، وليس هذا الكتاب موضع بيان ذلك . وأما القسم الثالث : فهو إيمان العارفين : وهو بالشهود فقط بعد القول والفهم كما قال اللّه تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] ومن عظيم أسرار هذه الآية أن الشهادة ذكرت فيها مرة وأسندت إلى ثلاثة حقائق : اللّه والملائكة وأولو العلم ، فدلّ أن الشهادة واحدة أسندت إلى اللّه أوّلا ، ثم تنزلت إلى الملك ، ثم إلى صاحب العلم ، فهي في اللّه فعل ، وفي الملك وصاحب العلم تفويض . وبالتفويض يقع الشهود فإن اللّه لا ينسب إليك شهادته إلا إذا فوّضت إليه ، وإذا فوّضت إليه محقك من عينك ، فكان هو الشاهد والمشهود ، في هذا المقام يقول بعض العارفين : ما عرف اللّه إلا اللّه . واعلم أن هذا الكتاب الجليل الذي هو « فصوص الحكم » إنما هو في إيمان أهل الشهود فقط لا إيمان أهل الأقوال أو أهل الاستدلال فلا يفهم إلا من كان ترقت همته عن حضيض القول والفهم وقد انخرق له حجاب الوهم وإلا فمن كان إيمانه مجرد لقلقة اللسان أو محض تصوّرات الأذهان فبعيد عليه فهم هذه الحقائق وشهود هذه الدقائق .