الشيخ عبد الغني النابلسي
162
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأمّا المنح الأسمائية فاعلم أنّ منح اللّه تعالى خلقه رحمة منه بهم ، وهي كلّها من الأسماء . فأمّا رحمة خالصة كالطّيّب من الرّزق اللّذيذ في الدّنيا الخالص يوم القيامة ، ويعطى ذلك الاسم الرّحمن فهو عطاء رحمانيّ ، وإمّا رحمة ممتزجة كشرب الدّواء الكره الذي يعقب شربه الرّاحة ، وهي عطاء إلهي فإنّ العطايا الإلهيّة ، لا يمكن إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء . ( وأما ) بيان ( المنح ) ، أي العطايا ( الاسمائية ) ، أي التي على يد اسم من أسماء اللّه تعالى وهو القسم الثاني من مطلق الإعطاءات ( فاعلم ) يا أيها المريد السالك ( أن منح ) ، أي عطايا ( اللّه ) تعالى ( خلقه ) ، أي مخلوقاته كلها ( رحمة ) خالصة ( منه ) سبحانه ( بهم ) لا غير ذلك ( وهي ) ، أي المنح ( كلها ) صادرة ( من ) حضرة ( الأسماء ) الإلهية حيث كانت بسبب رحمته بهم ، فإن الرحمة من جملة الأسماء باعتبار الرحمن الرحيم بخلاف المنح الذاتية المتقدم ذكرها فإنها لا تعطى غير ذوات المخلوقات من حيث الوجود على حسب ما سبق بيانه والرحمة التي هي سبب العطايا الاسمائية على قسمين : ( فإما رحمة خالصة ) من شوب عذاب ( كالطيب ) ، أي الحلال ( من الرزق اللذيذ ) مأكلا كان أو مشربا أو ملبسا أو منكحا أو مسكنا أو منظورا أو مسموعا أو مشموما ( في ) الحياة ( الدنيا الخالص ) من شوب التنقيص وكدر الحساب ولحوق الوبال والعقاب ( يوم القيامة ) كما قال تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الأعراف : 32 ] ( ويعطى ذلك ) ، أي الرزق المذكور ( الاسم الرحمن ) المتجلي على عرش الوجود ، فإنه خالص الرحمة لا يشوبه شيء ، ولهذا لما احتجب هذا الاستواء الرحماني على بعض أهل الأرض أكلوا الحرام في عين كونه طيبا لذيذا ، لأن الحرام حكم اللّه عليهم لا عين المأكول ، ومن هذا القبيل كل ما لا يلائم فإنه من تجلي اسم آخر مما سمي به الرحمن المتجلي على العرش ، لأنه جامع لجميع الأسماء كاسم اللّه بحكم قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] ، فلو تمحض هذا التجلي الرحماني لأعطى الرحمة المحضة . ( فهو ) ، أي ذلك العطاء حينئذ ( عطاء رحماني ) وهو لأهل العناية الذين يمشون على أرض الجسمانيات والروحانيات هونا ، أي بالهوينا من غير تكلف ولا تعسف كما وصفهم اللّه تعالى بقوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] إلى آخره .