الشيخ عبد الغني النابلسي

158

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

حققناه في كتابنا « المطالب الوفية » في علم العقائد ، بخلاف النبوّة فإنها وهبية باتفاق أهل الحق ( من ) بيان لشرائط الولاية التخلق بجميع ( الأخلاق ) جمع خلق بضمتين ، وهي الحالة الباطنية الحسنة التي تقبل الزيادة والنقصان من حيث الظهور في الأطوار الإنسانية لا من حيث الثبوت في الأصل الإلهي ، فإن الأخلاق كلها في الأصل حسنة وهي للحق حقيقة وللعبد مجاز ، وفيه تطيب وتخبث باعتبار مصارفها ولهذا قال ( الإلهية ) ، أي المنسوبة إلى الإله قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه مائة خلق وسبعة عشر خلقا من آتاه بخلق منها دخل الجنة » ، خرجه السيوطي في الجامع الصغير « 1 » . ولهذا لما سئل الإمام الجنيد رضي اللّه عنه عن المعرفة والعارف قال : لون الماء لون الإناء ، أي هو متخلق بأخلاق اللّه تعالى حتى كأنه هو ، وما هو هو ، وصروف الأخلاق المذكورة في العبد إلى غير مصارفها ، وهو الظلم الذي تنزه عنه الرب سبحانه ، وهو الذي يقلب الأخلاق مذمومة كالحلم في غير موضعه ، والكرم في غير موضعه ، وغير ذلك ، وربما يسمى بأسماء آخر كاسم الجبن والخمول والإسراف والتبذير ونحو ذلك . ( في الاتصاف ) ، أي اتصاف ذلك الولي ، على معنى ظهورها في نشأته الإنسانية الجزئية بظهور آثارها وما تقتضيه من المعاملة مع اللّه ومع الخلق ( بها ) ، أي بتلك الأخلاق كلها ، وهي شروط الولاية وإن كان العبد مطلقا لا يخلو من بعضها ولو كافرا ، وربما يقال : إن ذلك الخلق الواحد الذي من أتاه به دخل الجنة كما في الحديث السابق هو خلق الإيمان فقط ، لأن من أوصافه تعالى المؤمن ، فلا ينفع الكافر إذا أتاه بخلق آخر غير الإيمان ( من ) جهة ( كون اللّه ) تعالى في رتبة تنزله ( تسمى ) عندنا في كتابه العزيز ( بالولي ) ، أي المتولي أمر كل شيء من حيث إنه جامع لجميع تلك الأخلاق فيعامل بها كل شيء على وجه العدل فاسم الولي له من هذه الحيثية ، فمن تخلق بأخلاقه كان له هذا الاسم من هذه الحيثية أيضا ، كما قال تعالى : وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [ الشورى : 28 ] ، فلما ألبس عبده خلعة التفصيل ألبسه أيضا خلعة الإجمال ( الحميد ) ، أي المحمود في جميع أفعاله فأخلاقه كلها حسنة ، من لم يحمد في خلق من أخلاقه كان خلقه ذلك خلقا مذموما ، وعدم الحمد فيه بصرفه في غير مصرفه ، والحمد فيه بصرفه في مصرفه كما ذكرنا . ( فخاتم الرسل ) بالمعنى العام والخاص كما قدمنا ( من حيث ولايته ) ، أي كونه

--> ( 1 ) وخرجه أيضا العقيلي في الضعفاء ، برقم ( 1014 ) [ 3 / 54 ] والدارقطني في العلل الورادة في الأحاديث النبوية برقم ( 271 ) [ 3 / 38 ] .