الشيخ عبد الغني النابلسي
141
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
على إثبات الزائد وهو الغير بلا شك إلا أنه أنكر هذا الإطلاق لا غير ، انتهى . نعم هو كلام في غاية البعد إن أريد له مفهوم عقلي غير مجرد التنزيه ، وأما حيث أريد به التنزيه للّه تعالى كما ذكرنا ، فلا يكون صاحبه دل على إثبات الزائد وهو الغير ، والذي نعتقده في الأشعري رحمه اللّه تعالى أنه إمام أهل السنة وأن مذهبه هو مذهب الصالحين ، وكذلك مذهب الإمام الماتريدي وأتباعهما رحمهم اللّه تعالى ، وهو مجرد التفويض إلى اللّه تعالى في جميع الدين ، والإيمان بالأمر على ما هو عليه من غير خوض فيه بالآراء العقلية ، وهذه الفرقة الناجية التي كان عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وما عداها من الفرق كلهم في النار كما ورد صريح الحديث الشريف بذلك . وأما جميع الأبحاث الواردة عن الأشعري والماتريدي واتباعهما رضي اللّه عنهم المفضية أن تكون مذهبا مستقلا جاريا على القوانين العقلية مخالفة لجميع مذاهب الفرق الضالة ، فليس ذلك كما يزعمه الجهال من المقلدين للأشعري والماتريدي رحمهما اللّه تعالى ، بل كلما تكلم به الأشعري والماتريدي إنما ذلك رد على المخالفين للفرق الناجية ، وتشتيت للآراء المبتدعة الخائضين في الدين من قبيل معارضة الفاسد بالفاسد . ومرجع الأشعري والماتريدي رحمهما اللّه تعالى إلى مذهب السلف كما ذكرنا ، وليس شيء من أبحاثهما مفهوم عقلي عندهما يزيل مذهب السلف من البصائر غير الرد على جميع الفرق الضالة ، الذين خرجوا في حدود الثلاثمائة يتكلمون في الدين بالآراء العقلية والاحتجاج بالمفاهيم الفكرية ، ليبطلوا مذهب السلف الصالحين في التسليم في الدين ، وقد زخرفوا مذاهبهم بالأبحاث العقلية التي ينقاد إليها كل عاقل ، وأضعفوا الإيمان بالغيب في قلوب المؤمنين ، وطمسوا أنوار التسليم والتفويض للّه تعالى بظلمات الأفكار وعصارات العقول الزائغة عن الصراط المستقيم ، وغالطوا أهل الإسلام بقولهم : لا فرق بين الإنسان والحيوان إلا بالعقل ، والعاقل إذا لم يستعمل عقله في أهم أموره وهو الدين فأي فرق بينه وبين الحيوان حيث عطل عقله في أهم أموره وأبطل الحكمة الإلهية في خلق العقول ، وكلامهم هذا الذي ابتدعوا به في الدين ما ليس فيه مأخوذ من أصول مذاهب الفلاسفة وحكماء الطبيعية ، وسائر أهل الضلال . وأما مذاهب السلف الصالحين رضي اللّه عنهم أجمعين فهو مبني على أن الدين أعظم من أن يدرك بالعقول أو يفهم بالأفكار ، سواء كان اعتقادا أو عملا ، بل ذلك خدمة إلهية كلف اللّه تعالى بها أرباب العقول امتحانا لهم وابتلاء لا غير ،