الشيخ عبد الغني النابلسي
142
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وحكمة خلق العقول في المكلفين لقبول ذلك الغيب ، وهو الدين والإذعان له بالقبول والإيمان به على ما هو عليه ، لا ليفهم بها وتتخرج أحكامه على القوانين العقلية ، واللّه ولي التوفيق والهادي إلى سواء الطريق . ( وبهذا ) أي بإثبات العلم زائدا على الذات حيث جعل التعلق له لا للذات ( انفصل ) القائل بذلك من الخلف المتأخرين ( عن ) مذهب ( المحقق من أهل اللّه ) تعالى الذي يقول : إن العلم الإلهي ليس زائدا على الذات الإلهية على معنى أنه حضرة من حضراتها فإذا نسب حدوث التعلق له كان منسوبا إلى الذات العلية على معنى الظهور للعبد لا الوجود من العدم ، وقد بينا القول بأن الصفات عين الذات عند المحققين من أهل اللّه وعند المبطلين من أهل الضلال . وذكرنا الفرق بين قول المحققين وقول المبطلين في كتابنا « المطالب الوفية شرح الفرائد السنية » ( صاحب ) نعت للمحقق ( الكشف ) عن الأمر على ما هو عليه حيث كان علمه بتعليم اللّه تعالى له لا بحدسه ولا بدرسه ولا بواسطة أبناء جنسه ( والوجود ) المحض الخالي من تلبيسات الأوهام وتحريفات الأفهام ، فإن الصفات الإلهية عنده عين الذات ، والذات غيب مطلق فكذلك الصفات ، لأنها الذات مع خصوص ظهور بآثار مخصوصة ، وتعين حضور بأنوار منصوصة . * * * ثمّ نرجع إلى الأعطيات فنقول إنّ الأعطيات إمّا ذاتيّة أو أسمائيّة . فأمّا المنح والهبات والعطايا الذّاتيّة فلا تكون أبدا إلّا عن تجلّ إلهي . والتّجلّي من الذّات لا يكون أبدا إلّا بصورة استعداد المتجلّى له ، غير ذلك لا يكون ، فإذا المتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ . وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه مع علمه أنّه ما رأى صورته إلّا فيه كالمرآة في الشّاهد إذا رأيت الصّور فيها لا تراها مع علمك أنّك ما رأيت الصّور أو صورتك إلّا فيها . فأبرز اللّه ذلك مثالا نصبه لتجلّيه الذّاتي ليعلم المتجلّى له أنّه ما رآه . ( ثم نرجع ) من الكلام على أصناف السائلين وعلى مسألة العلم الإلهي ( إلى ) الكلام على ( الأعطيات ) الإلهية للعبد وبيانها ( فنقول ) بمعونة اللّه تعالى ( إن الأعطيات ) كما تقدّم ( إما ذاتية وإما أسمائية ) ، فهي منسوبة إلى ما صدرت عنه من الذات أو الأسماء .