الشيخ عبد الغني النابلسي
138
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
نسبة وهي اعتبار محض لا حقيقة ثابتة في أمر محقق ، بحيث لو زالت تلك النسبة أو لم تزل فذلك الأمر محقق على ما هو عليه من غير تغيير ، كالقدام والخلف مثلا بالنظر إلى الكعبة ، فإذا استقبلتها بوجهك كانت قدامك ، وإذا استدبرتها زالت تلك النسبة وخلفتها نسبة أخرى وهي كونها خلفك ، والكعبة لم تتغير عما هي عليه بزوال نسبة وطرو نسبة أخرى عليها ونحو ذلك من نسبة الفوق والتحت وما أشبهه . ( ذاتية ) ، أي منسوبة تلك النسب إلى ذات اللّه تعالى على معنى أن ذاته تعالى المطلقة المنزهة عن جميع القيود والكيفيات والتصوّرات تظهر بسبب إرادتها للشيء وتوجهها عليه في صورة ذلك الشيء ، من غير أن تتغير هي في نفسها ، فيبقى ذلك الشيء موجودا ما دامت مريدة له متوجهة على إيجاده ، فحقيقته نسبة فقط بين ذات الحق تعالى وبين ذلك الشيء المراد لها الذي هو عدم صرف ، ظهرت تلك النسبة من توجه الذات نحو ذلك الشيء الذي لا وجد ولا يوجد ولا هو موجود البتة ، فإذا زالت تلك النسبة بقيت ذات الحق تعالى على ما هي عليه من قبل ظهور تلك النسبة ، فلولا ذات الحق تعالى الموجودة وجودا حقيقيا ، ولولا ذلك الشيء المعدوم عدما صرفا ، الذي أرادته وتوجهت عليه ذات الحق تعالى ، ما ظهرت هذه النسبة المسماة باسم الشيء الموجود باسم العالم الحادث ثم باسم السماء والأرض ونحو ذلك ، فهي نسب اعتبارية لا وجود لها حقيقة ، وإنما الوجود الحقيقي لقيومها الذي هو ذات الحق تعالى ، وإلى هذا المعنى يشير الشيخ قدس سره فيما سيأتي من أبياته بقوله : * فلولاه ولولانا لما كان الذي كانا * فالموجود المحقق هو اللّه تعالى والكائنات كلها عدم صرف . وهذه المخلوقات الظاهرة كلها نسب وإضافات حقيقتها ذات الحق تعالى بالنسبة إلى تلك الكائنات المعدومة والإضافة إليها لا مطلقا ، وهذه النسبة والإضافة لم تغير ذات اللّه تعالى ولا أعدمت منها ما كان لها ولا أحدثت فيها ما لم يكن لها ، كما أن الكعبة في المثال السابق ما حدث لها وصف بظهور نسبة القدامية لها باستقبال أحد ، ولا زال عنها وصف بزوال نسبة القدامية عنها باستدبارها ، وحدوث نسبة الخليفة كما أن المرآة لم تتغير بظهور الصور فيها لا زادت ولا نقصت ، فجميع ما ظهر فيها نسب عدمية بين ما قابلها وبينها هي ، فلولا وجودها وفروض ما يقابلها ما ظهرت فيها هذه الصور النسبية التي لا حقيقة لها في المرآة أبدا ، وإنما الموجود المرآة فقط كما سيذكره الشيخ قدس سره قريبا . ( لا صورة لها ) ، أي بتلك النسب الذاتية ، وإنما صورتها المدركة لها مجرد نسبة عدمية بين أمر موجود وهو ذات الحق تعالى وأمر معدوم وهو تلك الصورة