الشيخ عبد الغني النابلسي

139

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

المفروضة المقدرة المعدومة ، يعني أن الحق تعالى مطلع على جميع هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها ، لأنها نسب ذاتية له لا صورة لها في نفسها ، وعلمه تعالى بذاته هو علمه بهذه النسب المنسوبة إلى ذاته تعالى ، وذلك لأن ذاته تعالى مطلقة عن الانحصار لعلم أو غيره ، والمطلق إذا علم إنما يعلم نسبه الذاتية وإضافاتها ، ويبقى مطلقا على ما هو عليه ولا يصير محاطا به محصورا البتة وإلا انقلب المطلق مقيدا وهو محال ، لأنه يصير ممكنا بعد وجوبه ، وهذا معنى قول الشيخ قدس اللّه سره في كتابه « عقلة المستوفز » إن اللّه تعالى علم ذاته فعلم العالم ، يعني لزم من علمه بذاته علمه بالعالم ، وليس علمه بذاته شيئا وعلمه بالعالم شيئا آخر . * * * فبهذا القدر نقول : إنّ العناية الإلهيّة سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم . ومن هنا يقول اللّه تعالى : حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] وهي كلمة محقّقة المعنى ما هي كما يتوهّمه من ليس له هذا المشرب . وغاية المنزّه أن يجعل ذلك الحدوث في العلم للتّعلّق وهو أعلى وجه يكون للمتكلّم بعقله في هذه المسألة ، لولا أنّه أثبت العلم زائدا على الذّات فجعل التّعلّق له لا للذّات . وبهذا انفصل عن المحقّق من أهل اللّه صاحب الكشف والوجود . ( فبهذا القدر ) الذي هو كشف اللّه تعالى للعبد عن عينه الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها ( نقول إن العناية الإلهية سبقت ) من اللّه تعالى في الأزل ( لهذا العبد ) المذكور ( بهذه المساواة ) بين علمه وبين علم اللّه تعالى ( في ) مجرد ( إفادة العلم ) بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها حيث كان علم اللّه تعالى بالكشف أيضا عن عين هذا العبد الثابتة في حال عدمها وعن انتقالات الأحوال عليها ، فالعلمان من معدن واحد كما تقدم ، ولكن ليس في وسع العبد إذا وافق علم اللّه بعينه الثابتة في حال عدمها وبانتقالات الأحوال عليها باطلاع اللّه تعالى له على ذلك أن يطلع أن ذلك موافق لعلم اللّه به ، فإذا اطلع على الموافقة المذكورة علم ، علم اللّه تعالى به ( ومن هنا ) ، أي من هذا المعنى حيث علم علم اللّه تعالى به ( يقول اللّه ) تعالى في القرآن العظيم ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ) الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ، يعني حتى نكشف عندكم بعلمنا عن الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ