الشيخ عبد الغني النابلسي

134

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بجعل جاعل . وسيأتي من الشيخ قدس اللّه سره قريبا بيان ما في هذه الكائنات الثابتة قبل وجودها ، ثم إن اللّه تعالى بعلمه القديم كشف عن هذه الكائنات الثابتة في إمكانها وقابليتها للوجود وطلبها له باستعدادها كشفا ليس متأخرا عنها ولا هي متقدمة عليه ، بل تسميته بالعلم في لسان الشرع يقتضي هذا التأخر عنها من حيث الرتبة التي هو فيها من كونه مسمّى علما لا من حيث هو قديم ، إذ لو تأخر القديم لكان حادثا وهو محال ، ولهذا لما عرفوا العلم الإلهي قالوا : هو صفة تكشف لمن قامت به عن المعلوم كشفا حقيقيا لا يحتمل النقيض ، وتأخر صفة العالم من حيث الرتبة لا يمنع المقارنة من حيث القدم ، فجميع الكائنات الثابتة قبل وجودها قائمة بالاستحضار الإلهي لها قبل تسميته لنا علما بها ، فتسميته علما بيان إلهي لنا على ألسنة الأنبياء عليهم السلام ، وهو المسمى بالشرع وهو أحكام اللّه تعالى ، واللّه يحكم لا معقب لحكمه ، ومن جملة أحكامه أن حكم بأن له علما كاشفا من الأزل عن حقائق الكائنات الثابتة قبل وجودها ، وكلام الشيخ قدس اللّه سره من حيثية هذا البيان الإلهي المسمى باسم الشرع الذي هو أحكام اللّه تعالى ، حيث ورد فيه أن اللّه موصوف بصفة العلم لكل شيء المقتضي ذلك تأخر هذه الصفة عما تعلقت به ، وتقدم ما تعلقت به عليها وهو التنزل الإلهي . وأما من حيث ما الأمر عليه في نفسه فلا يعلم اللّه إلا اللّه ، ولولا الإذن من اللّه بالتكلم على ذلك من هذه الحيثية مما وصف اللّه تعالى نفسه بصفة العلم في لسان الشرع لا سيما وقد قال رسول اللّه عليه السلام من « يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » « 1 » ، أي يفهمه فيه والدين هو الشرع الذي شرعه اللّه تعالى لعباده ، أي بيّنه لهم على حسبهم لا على حسبه هو في ذاته . ثم حيث تقرر أن صفة العلم تقتضي التأخر عن المعلوم لأنها تابعة له حيث كانت كاشفة عنه لا مؤثرة فيه ، كانت جميع الكائنات الثابتة قبل وجودها معطية للّه تعالى علمه تعالى بها على الترتيب والإجمال والتفصيل ، ثم إن إرادة اللّه تعالى القديمة تعلقت بتخصيص جميع ما علمه اللّه تعالى على منوال ما علمه من غير تأخر عن العلم أيضا تأخرا زمانيا بل تأخّر تقتضيه رتبة الإرادة ، إذ لا إرادة لغير معلوم فهو تعالى علم فأراد ، ثم إن قدرة اللّه تعالى القديمة تعلقت بإيجاد ما إرادة تعالى من غير

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ، حديث رقم ( 71 ) [ 1 / 39 ] ورواه مسلم في صحيحه في أبواب عدة منها : باب النهي عن المسألة ، حديث رقم ( 1037 ) [ 2 / 718 ] ورواه غيرهما .