الشيخ عبد الغني النابلسي

135

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

تأخر عن الإرادة أيضا ، ولكن البيان الإلهي اقتضى هذا الترتيب فجرى حكم الفقه في الدين على هذا البيان ، فكما أن الكائنات الثابتة قبل وجودها أعطت الحق تعالى علمه بها أعطاها هو تعالى أيضا جميع ما علمه منها ، فأوجدها على منوال ما أخذ منها من الذوات والأحوال ، فوجدت في عينها بقدرته تعالى وتخصصت بما هي فيه من الأحوال بإرادته ، وكانت ثابتة قبل وجودها مكشوفا عنها بعلمه تعالى ، فهذا الفرق بين الثبوت والوجود . وأما الفرق بين النفي والعدم . فالنفي نقيض الثبوت ، وهو عبارة عن عدم إمكان الشيء وعدم قابليته للوجود وهو المستحيل ، وعن عدم طلبه للوجود طلبا استعداديا وهو الممكن القابل للوجود من غير مانع عن ذلك ، إلا أنه لم يستعد للوجود فلم يطلب الوجود استعداده ، كالشمس الثانية والثالثة والقمر الثاني والثالث ونحو ذلك من الممكنات الغير الطالبة للوجود باستعدادها ، والعدم نقيض الوجود وهو شامل للثبوت وللنفي بنوعيه المستحيل والممكن . ( وما ثم ) ، أي هناك بين أهل اللّه تعالى ( صنف من أهل اللّه ) تعالى العارفين به ( أعلى ) مرتبة ( وأكشف ) بصيرة ( من هذا الصنف ) الذين يعلمون أنّ علم اللّه تعالى بهم هو ما هم عليه في حال ثبوت أعيانهم قبل خروجها إلى هذا الوجود ، فقد أعطوا اللّه تعالى علمه بهم ، فهو يعطيهم ما أخذه منهم من غير زيادة ولا نقصان . ( فهم الواقفون ) ، أي المطلعون ( على سر القدر ) الإلهي والقضاء الأزلي ، فإن اللّه تعالى ما قدر وقضى على أحد إلا ما علمه منه من خير أو شر ، وما علم منه إلا ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده ، ولهذا ورد عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في زمن خلافته أنه قال لسارق ما حملك على ما فعلت ؟ قال : حملني قضاء اللّه وقدره فقال له : كذبت ثم أمر بحده ثم عذره لكذبه على اللّه تعالى في قوله : إن قضاء اللّه تعالى وقدره حمله على السرقة . وبيان ذلك أن القضاء والقدر على منوال ما في علم اللّه تعالى من ذلك السارق وعلم اللّه تعالى كاشف عن ذات ذلك السارق وجميع أحواله في عالم الثبوت قبل الوجود ، فلم يحمل القضاء والقدر ولا العلم القديم ذلك السارق على فعل السرقة ، بل ذلك السارق هكذا في حال ثبوت عينه المكشوف عنها بعلم اللّه تعالى قبل وجودها . ولابن كمال باشازاده رحمه اللّه تعالى رسالة في تحقيق معنى القضاء والقدر بناهما على مسألة أن العلم تابع للمعلوم ، وبسط الكلام على ذلك ، وقد تكلمنا على هذه المسألة بما يشفي العليل ويبرد الغليل في كتابنا « المطالب الوفية »