الشيخ عبد الغني النابلسي

133

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

القدر . وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ، ومنهم من يعلمه مفصّلا ، والّذي يعلمه مفصّلا أعلى وأتم من الّذي يعلمه مجملا ، فإنّه يعلم ما في علم اللّه فيه إمّا بإعلام اللّه إيّاه بما أعطاه من العلم به . ( ومن هؤلاء ) الطائفة أهل التفويض والتسليم والاعتصام باللّه تعالى ( من يعلم ) بتعليم اللّه تعالى له ( أن علم اللّه ) تعالى ( به في جميع أحواله ) التي هو متقلب فيها من حين كان نطفة إلى أن يخرج من الدنيا مثلا ( هو ) ، أي في ذلك العلم بعينه ( ما ) ، أي الذي ( كان ) ، أي وجد ( عليه ) من الأحوال المرتبة ( في حال ثبوت ) ، أي استحضار ( عينه ) ، أي ذاته مع جميع أحواله في حضرة اللّه تعالى القديم ( قبل وجودها ) ، أي ظهور تلك العين من علم اللّه إلى هذا الكون الحادث ، فكلما شعر بحالة من أحواله وجدت فيه علم إنما هي التي يعلمها اللّه تعالى منه في الأزل أخرجها له الآن بقدرته ورتبتها إرادته تعالى على حسب ما هي مترتبة في حضرة علم اللّه تعالى ، فهو مطمئن لذاته ولجميع أحوالها على حسب ما كشف عنها سبحانه وتعالى بعلمه من الأزل ، ثم قدرته فوجدت على ذلك المنوال السابق لا زادت عليه ولا نقصت . ( ويعلم من ذلك أن الحق ) تعالى ( لا يعطيه ) شيئا ما مطلقا ( إلا ما أعطاه ) ، أي أعطى الحق تعالى ( عينه ) ، أي عين ذلك العبد ( من ) بيان لما ( العلم به ) ، أي بذلك العبد ( وهو ) ، أي العلم بذلك العبد ( ما كان عليه ) ذلك العبد ( في حال ثبوته ) ، أي استحضار العالم به فقط قبل وجوده في ذاته ، فقد أعطى اللّه تعالى بعينه الثابتة في الاستحضار قبل وجودها ما علمه اللّه تعالى منه ، ثم إن اللّه تعالى أعطاه ما أخذ منه بعلمه سبحانه لا زاده ولا نقصه . ( فيعلم ) هذا العبد حينئذ ( علم اللّه ) تعالى ( به ) الذي هو أصل لتعلق الإرادة والقدرة الأزليتين بإيجاده حتى وجد على هذا الترتيب الذي هو فيه ( من أين حصل للّه ) تعالى ذلك العلم في الأزل بذلك العبد وبأحواله حصولا رتبيا تقتضيه رتبة العلم لا حصولا حدوثيا ترتيبيا إذ هو محال . واعلم أن الثبوت غير الوجود كما أن النفي غير العدم ، فالثبوت والنفي متناقضان كالوجود والعدم . أما الثبوت : فهو عبارة عن إمكان الشيء وقابليته للوجود وطلبه لذلك طلبا استعداديا ، وجميع ما أوجد وهو موجود وسيوجد من الكائنات كانت ثابتة قبل وجودها في هذا العالم الحادث من غير وجود لها ، ومعنى ثبوتها أنها ممكنة للوجود قابلة له طالبة له طلبا استعداديا ، وهذا الثبوت الذي لها قبل وجودها ثبوت أزلي ليس بجعل جاعل ، لأنه عدم صرف لا وجود فيه ، والعدم ليس