الشيخ عبد الغني النابلسي
124
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأما بالوحي والإلهام فهو إعلام بما يليق بالحادث لا بما يليق بالقديم ، وهذا المقدار إذا وجد عند الحادث يصح أن يكون علما من علم اللّه تعالى وصل إليه وحيا أو إلهاما فيكون سؤاله حينئذ لذلك الأمر الذي علم أنه لا يحصل إلا بعد السؤال ، مبنيا على ما وجده من الوحي أو الإلهام ، والوحي يفيد اليقين ، والإلهام يفيد غالب الظن ، ويجوز بنيان مثل ذلك على غالب الظن ، فيصير ذلك باعثا على السؤال عنده ( و ) هو ( لا ) يعلم أيضا ( ما ) ، أي الذي ( يعطيه استعداده ) ، أي تهيؤه بنفسه ( من القبول ) لذلك الأمر الذي طلبه من اللّه تعالى ولسؤاله قبله أو لسؤاله فقط أو لحصوله فقط ( لأنه من أغمض ) ، أي أدق وأخفى ( المعلومات ) عند العباد ( الوقوف ) ، أي الاطلاع والكشف ( في كل زمان فرد ) ، وهو الجزء الذي لا يتجزى من الزمان وهو يوم اللّه الذي قال تعالى عنه : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] . وقال لموسى عليه السلام : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] في كل يوم من أيامه هذه ، أمر هو شأنه في ذلك اليوم وهو اليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار ، كما قال تعالى في وصف العارفين به يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ 36 رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) [ النور : 36 - 37 ] الآيات . ( على استعداد الشخص ) لما استعد له ( في ذلك الزمان ) القليل من الأمور التي قدّرها اللّه تعالى وقضى بها عليه في الأزل ، فإن للّه تعالى على كل شخص بخصوصه قضاء وقدرا أزليين بأمور أرادها اللّه تعالى له من الأزل في كل لمحة بصر ، فاللّه تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] بالنسبة إلى خصوص كل إنسان ، ولم يسبق قضاء اللّه تعالى وقدره على ذلك الشخص بخصوصيته بتلك الأمور التي أرادها اللّه تعالى له إلا على حسب ما استعد له ذلك الشخص في تلك اللمحة البصرية ، فوقوف ذلك الشخص على استعداده لتلك الأمور في تلك اللمحة البصرية من أصعب العلوم وأخفاها ، فسؤاله حينئذ مبني على عدم اطلاعه على استعداده ما هو ، فهل هو استعداد للسؤال فقط من غير حصول المطلوب ؟ أو استعداد لحصول المطلوب من غير سؤال ، أو للسؤال ولحصول المطلوب معا فيسأل احتياطا لذلك . ( ولولا ما أعطاه الاستعداد ) الذي له في ذلك الزمان الذي سئل فيه ( السؤال ) الذي صدر منه ( ما سأل ) فسؤاله إنما كان منه على حسب استعداده فإن حصل مطلوبه في وقت سؤاله كان استعداده في ذلك الوقت السؤال ولحصول المطلوب معا ، لهذا أعطاه اللّه تعالى ذلك على حسب استعداده له كما قال تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] فقبل ما استعد له من السؤال وحصول المطلوب .