الشيخ عبد الغني النابلسي
121
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( اعلم ) أيها المريد السالك ( أن العطايا والمنح ) القليلة والكثيرة ( الظاهرة في ) هذا ( الكون ) الحادث ( على أيدي العباد ) من بني آدم وغيره من سائر الأشياء ولو جمادا يعطي خاصية أو زمانا كذلك ( أو على غير أيديهم ) كالعطايا والمنح الصادرة من الحق تعالى بلا واسطة أحد ، وكل هذه عطايا إلهية ومنح ربانية وهي ( على قسمين ) : قسم ( منها ما ) ، أي عطايا ومنح ( تكون ) ، أي تلك العطايا والمنح ( عطايا ) ومنحا ( ذاتية ) منسوبة إلى ذات الحق تعالى كأحوال الذاتيين من أهل اللّه تعالى ، فإن جميع أمورهم يأخذونها عن ذات الحق تعالى من غير واسطة اسم ولا رسم ، وهي أعلى العطايا على الإطلاق ، وتسميتها عطايا عندهم باعتبار تنزلها إلى حضرة الأسماء ، لأن المعطى من الأسماء وإلا فهي لا اسم لها يخصها عندهم ، وإن كانت عند غيرهم من الاسمائيين مسماة بأسماء على حسب رؤيتهم في مقامهم . ( و ) قسم منها ( عطايا ) ومنحا ( أسمائية ) منسوبة إلى الأسماء الإلهية كأحوال الاسمائيين من أهل اللّه تعالى . وهذان القسمان يحصران جميع العطايا والمنح الواقعة في هذا العالم للمؤمن والكافر والعارف والمحجوب سواء علمت أو لم تعلم ( وتتميز عند أهل الأذواق ) العارفين باللّه تعالى خاصة ، فلا يميز بينها غيرهم سواء كانوا ذاتيين أو اسمائيين . واعلم أن الذوق حالة فوق العلم ، والفرق بينهما أن العلم هو الإحاطة بأوصاف الشيء تصوّرا وتخيلا . وأما الذوق فهو معرفة ذات الشيء مخالطة وامتزاجا ، والممتزجان شيئان لا شيء واحد لكن بينهما غاية القرب ، وقد غلط بعضهم فسمى ذلك اتحادا ولا يصح الاتحاد عندنا أبدا ، لأن أحد الممتزجين إن زال وبقي الآخر فهو واحد لا اثنان اتحدا ، وإن بقيا فهما اثنان فأين الاتحاد ؟ والعبد والرب لا يفترقان أبدا إذ لا وجود لعبد بلا رب ولا ظهور لرب بلا عبد ، فإن زالت الوسائط الوهمية بينهما وتحقق العبد بكمال القرب فهو الامتزاج عندنا ، ومعلوم أن الممتزجين لهما صورة مخصوصة في حالة الامتزاج ليست لكل واحد منهما في حالة انفراده ولا امتزاج في الحقيقة إذ لا مساواة بين العبد والرب . فالعبد معدوم والرب موجود ولكن المعدوم إذا اقترن بالموجود اكتسب منه الوجود المناسب له . أرأيت أن النور إذا قابل الظلمة اكسبها نورا يليق بها فيزول سوادها في عين الناظر ببياض النور المشرق عليها وهي في ذاتها ظلمة على ما هي عليه ثم الكشف عن هذا الامتزاج هو حقيقة الذوق المراد هنا ( كما أن منها ) ، أي من تلك العطايا والمنح ( ما يكون ) ، أي يوجد عند المعطى والممنوح ( عن سؤال ) صدر منه ( في ) أمر ( معين ) عنده ( و ) منها ما يكون ( عن سؤال ) صدر منه ( في ) أمر ( غير معين ) عنده