الشيخ عبد الغني النابلسي

103

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

العالم والحق تعالى ( مفتقر ) هذا إلى هذا من وجه وهذا إلى هذا من وجه آخر ، ومراد بالمفتقر من الحق تعالى رتبته لا ذاته لأنها غنية عن العالمين بحكم قوله تعالى : و اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] . ومرادنا بالمفتقر إليه من العالم الحقيقة الثابتة في علم الحق تعالى التي هي كناية عن حضرة من حضراته تعالى جامعة لكل حضرة من حضراته وهي العالم الظاهر في بصيرة العارف الباطن عن بصيرة الجاهل ، وأما العالم الباطن عن بصيرة العارف الظاهر في بصيرة الجاهل ، فهو نفس الجاهل الظاهرة له مع جهله بحيث متى عرفها عرف ربه أي نفسه المتعرية عن ذلك الجهل ، فعرف العالم على ما هو عليه ، فعرف افتقار الحق تعالى إلى العالم على حد ما قلنا ، وإذا لم يعرف نفسه لم يعرف ربه فلم يعرف العالم ، ويظن أن العالم هو ما ظهر له من جهله ، فتوهمه على خلاف ما هو عليه ، فحمله ذلك على عدم فهم قولنا ، فجحد ما لم يفهم وأخطأ من حيث لا يشعر . ( ما الكل ) المذكور ( مستغن ) عن الكل . ( هذا ) ، أي الذي ذكرته ( هو الحق ) الذي لا شبهة فيه عند أهل المعرفة ( قد قلناه ) ، أي صرحنا به عند من يعرفه ولا يعرفه نطقا باللّه تعالى ليضل اللّه تعالى به من يشاء ويهدي من يشاء ( لا نكني ) بسكون الكاف ، أي لا نشير إليه من غير تصريح لأن كتابنا لأهل المعرفة لا لأهل الجهل . ( فإن ذكرت ) أنا في كلامي ( غنيا لا افتقار به ) ، أبدا ( فقد علمت ) أنا ذلك الغني ( الذي بقولنا نعني ) أي نقصد ، ومراده ذات الحق تعالى من حيث هي مجردة عن الأوصاف والأسماء فإنها غنية عن كل ما عداها ، وأما من حيث هي موصوفة بالأوصاف مسمّاة بالأسماء فاعلة بأفعال حاكمة بأحكام ، فهي مرتبطة بالعالم كله ، والعالم مرتبط بها ارتباطا من الأزل إلى الأبد لا ينفك البتة كما قال : ( فالكل ) من حق وخلق ( بالكل ) ، من حق وخلق ( مربوط ) ربط عبد برب ورب بعبد وخالق بمخلوق ومخلوق بخالق ، وهكذا إلى آخره من جميع الأوصاف والأسماء والأفعال والأحكام ( فليس له ) ، أي للكل ( عنه ) ، أي عن الكل ( انفصال ) بوجه من الوجوه في الأزل والأبد فإن قلت : كيف هذا الارتباط في الأزل والعالم غير موجود فيه ، لأنه حادث وليس بقديم قلت : بل العالم الذي يعرفه العارف قديم لا حادث ، وهو موجود كله بلا ترتيب ولا تقديم ولا تأخير ، وليس فيه الجزء مقدما على الكل ، ولا خلق آدم عليه السلام فيه مقدما على خلق جميع ذريته إلى يوم القيامة ، وليس يوم القيامة فيه متأخرا عن يومنا هذا ، وليس له وجود مع اللّه تعالى غير وجود اللّه تعالى ، لأن وجوده باللّه تعالى لا بنفسه حتى يكون له وجود غير وجود